والحافظين له وقواعده الأساسية لا تهدم ولا تلغى . . . وكذلك هو عز لا تهزم أعوانه فهو سبب للعز الذي من عمل به لا يذل لأن أعوانه ومناصريه هم اللّه والملائكة والأولياء وهؤلاء لا يهزمون أو يخسرون .
( أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن فقفى به الرسل وختم به الوحي فجاهد في اللّه المدبرين عنه والعادلين به ) هذا ثناء على النبي ومدح له فقد أرسله اللّه بعد مضي مدة من الزمن تجاوزت الستمائة سنة فترة ما بين عيسى وبين بعثة رسول اللّه وهذه المدة تحتاج بعدها إلى رسول يحمل من اللّه الأمانة ويبلغها للناس .
وقد ذكر بعض سيئات ذلك الزمان من حيث اختلاف الآراء وتعدد المذاهب فالعرب في عبادته أصناف شتى والفرس لهم مذهب يخالفهم والروم كذلك وهكذا الكون كله مختلف الآراء والمعتقدات .
ثم قفى به الرسل أي أتبعه بهم وختم به الوحي فلا يوحي اللّه بعده لأحد من البشر .
وهذا النبي العظيم حارب البعيدين عن اللّه للهّ ومن أجله كما حارب من جعل له عدل أو شبيه أو ند أو نظير فهو حارب الملحدين كما حارب الضالين . . . ( وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى ، لا يبصر مما وراءها شيئا والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها ، فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص ، والبصير منها متزود والأعمى لها متزود ) في هذا الفصل ذم للدنيا ولمن تعلق بها وقصر نظره عليها . . . يذكر عليه السلام هذه المقابلة بين الأعمى والبصير . . . ويقصد بالأعمى هو أعمى القلب والفكر وأما البصير فهو عكس ذلك وقد ذكر المفارقة بين الشخصين ، وإنها لمفارقة كبيرة كل منهما ينظر بمنظاره الخاص الذي يحكمه ويحكم تصرفه .
فالدنيا بالنسبة لأعمى القلب هي كل شيء عنده . . . إليها ينتهي نظره وعندها يتوقف مسيره وهي غاية ما يطمح إليه . . . نظر إلى الدنيا على أنها شوطه الوحيد فراح يسعى لها بكل ما أوتي من قوة وما أعطى من عزم لم يبصر ما وراءها من آخرة حتى يسعى لها ويحسب لها حسابها بل شغلته الدنيا عن كل أمر آخر .
وأما البصير الذي انكشف الغشاء عن عينيه فرأى الدنيا على حقيقتها ووقف من خلالها على أن هناك دارا آخرة هي دار القرار وإليها يجب السعي فهذا هو البصير حقيقة وهو الذي يعمل ما يعمل من أجلها إنه بجسده فيها مؤقتا ولكنه راحل عنها بقلبه وفكره وتوجهه ، لم يعمل للدنيا إلا بمقدار ما يوصله إلى الآخرة .
شرح نهج البلاغة — صفحة 393
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٩٣