تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
المباركة كانت في وداع صحابي عظيم قالها الإمام تسلية له وبيانا للحقيقة والتاريخ . . . أبو ذر الغفاري صاحب رسول اللّه أمر عثمان بنفيه إلى الربذة بعد أن كان قد نفاه إلى الشام أولا وعاد منها إلى المدينة . . . فخرج أبو ذر ولم يجرؤ أحد من الناس أن يخرج لتوديعه وتشييعه حيث حرّم عثمان تشييعه وتوديعه إلا ما كان من الإمام علي والحسن والحسين وعقيل وعمار فلما أراد أن يودعه الإمام بلسم جراحه بهذه الكلمات المعبرة عن الحقيقة . يا أبا ذر إنك غضبت للهّ حيث كان أبو ذر لسان الفقراء بل لسان الإسلام الذي يرتفع بكلمة الحق منددا بمظالم عثمان وأعماله التي تتنافى وعدالة الإسلام فقد كان عثمان يوزع بيت مال المسلمين كما يحب ويرغب ، يصل هذا يحابي ذلك يصانع الثالث وهكذا دون ضوابط تحكمه أو قوانين تلجم تصرفاته فكان أبو ذر إزاء هذا العمل الباطل يصرخ في وجه عثمان ويقود الثورة ضده معلنا ظلمه وسوء تصرفه . . . فكان غضبه ليس لنفسه بل للهّ وإذا كان الغضب للهّ فيجب أن يكون الرجاء من اللّه وبهذا التفكير كان يتحرك أبو ذر وعليه سار وإلى أهدافه كان يقصد . . . ثم بين السبب في نفيه إن القوم - عثمان - ومن حوله من الأمويين والمنتفعين والانتهازيين خافوك على دنياهم لأن تحرك يحرك معه الجماهير المظلومة وهذه لا ترحم كما جرى فيما بعد بحق عثمان . . خافوك على كراسيهم وعروشهم خافوك على الامتيازات التي انفردوا بها دون بقية الناس فصرختك أمام الناس تكشف عوراتهم وتجردهم من ثيابهم فهم قد خافوك على دنياهم وأما أنت فقد خفتهم على دينك . . . صرختك كانت في سبيل الدين . . . خوفا من التشويه والتدنيس وخوفا من التحريف . . . أنت خفتهم على عقيدتك أن يمسخوها ويقتلوا العدل فيها . . . خفتهم أن يمزقوا الحق ويقتلوا روح الإسلام . . . فاترك في أيديهم ما خافوك عليه من دنياهم . . . إنك لن تقدر أن تسلبهم دنياهم وتردهم إلى موقعهم فاتركهم إذن وشأنهم واهرب أنت بما خفتهم عليه من دينك ، فإذا استطعت أن تهرب بدينك وتحفظه وتحتفظ به سالما فقد بلغت أمنيتك . . . اهرب بدينك . . . ثم طمأن القلب الجريح باستغنائه عما منعوه منه من الدنيا واستأثروا به لأنفسهم وحاجتهم إلى ما منعهم من دينه فهم إلى دينه أحوج منه إلى دنياهم وستعلم من الرابح غدا يوم القيامة إنه صاحب الدين وستعلم من الأكثر حسدا وهو صاحب الدين يكثر حساده . . .