تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
يرمي ويصيب كل من رماه فيقتله وإذا جرحه لا دواء له بل يعلّ ويستمر به المرض حتى يموت . . . ومن جملة أفعاله أن هذا الكائن الحي الذي يتحرك وكله حركة يرميه بالموت فإذا هو جثة هامدة فالصحيح السليم المعافى الذي يعتد بقوته ويفخر بعزيمته يرميه بالمرض بجرثومة صغيرة لا ترى بالعين المجردة فإذا به عليل مريض يتقلب على الفراش يستغيث ويستنجد . . . وهذا الناجي الذي قطع شوط الحياة يدركه بالهلاك فيرديه . . . إنه دهر آكل للبشر يبتلع كل من ولد وشارب دماء البشر لا يروى أبدا . . . ( ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ثم يخرج إلى اللّه تعالى لا مالا حمل ولا بناء نقل ) . هذه سيئة أخرى من سيئات الدنيا يعيشها الإنسان ولا يتنبه إلى مخاطرها . . إنه يعيش العناء وهو التعب فيها فتراه يكد ليجمع ما لا يأكل ففي حين تكفيه حفنة من حنطة إذ به يكدس من القوت والأموال ما يكفيه لسنة إن لم يكن لسنوات ويبني ما لا يدوم له السكن فيه والإقامة أو ما يزيد على حاجته ثم يخرج من الدنيا إلى اللّه بدون شيء منها فالأموال التي جمعها ليأكل بها ويدخرها لوقت الحاجة تركها محلها وتخلى عنها والبناء الذي شيده . . هذا القصر الذي أتعب نفسه في عمارته تكره لم يقدر على نقله إلى الآخرة فهل استفاد إلا التعب في الدنيا والشقاء فيها والنصب . . . ( ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما ليس ذلك إلا نعيما زل وبؤسا نزل ) . فمن تقلبات الدنيا ونكباتها وتغير أحوالها أنك تجد المرحوم فيها وهو الإنسان الذي كان يترحم عليه الناس لفقره ومسكنته هذا بعينه يغتني ويثري فيصبح مغبوطا تفرح له الناس وتتمنى حاله وما هو فيه . وقد ينعكس الأمر فمن كان غنيا ثريا يغبطه الناس على حاله ويتمنون أن يكونوا كما هو هذا هو قد يصبح فقيرا مسكينا يترحم عليه الناس فهذا قد نزل البؤس في ساحته والنعيم ولىّ مسرعا عنه . ( ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله فلا أمل يدرك ولا مؤمل يترك ) . وهذا عيب رابع للدنيا يذكره الإمام أن الإنسان يرسم لآماله طرقا لبلوغها والوصول إليها ويبقى يعمل حتى يكاد يدرك ما أمله وفي تلك اللحظات التي يشرف بها لبلوغ أمله إذ بالموت يأتيه فتزول الآمال وتسقط ويتهدم ذلك البناء الذي كان يرسمه بل