تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
المؤمل نفسه وهو هذا الإنسان يموت فلا الأمل أدرك ولا المؤمل بقي . . . ( فسبحان اللّه ما أعز سرورها وأظمأ ريّها وأضحى فيئها لا جاء يرد ولا ماض يرتد ) . تعجب عليه السلام من قلة سرور الدنيا لكثرة ما بها من الأحزان فإن سرورها يغر الإنسان فيظن أنه يدوم له فإذا به بعد لحظات وقد يكون في أوقات السرور يأتي الحزن والمصاب . . . ومراده « ما أظمأ ريها » يعني الشرب منها مهما كان كثيرا فإنه يزيد الشارب ظمأ كماء البحر كلما شرب منه ازداد عطشا وهكذا طالب الدنيا فإنه لا يشبع منها ولا يدرك غايته بل كلما أدرك منها أمرا ازدادت رغبته فيما فيها وهكذا تزداد شهيته ولا يبلغ أمنيته . . . وقوله « أضحى فيئها » يعني راحتها صعبة متعبة فكيف بضحاها . . . ثم نعى الحياة والأحياء بأن الموت إذا جاء لا يرده أحد وأن من مات لا يرتد إلى الدنيا فالحي مطلوب للموت والموت مدركه . . والميت لا يرجع مهما كانت المحاولات . . . ( فسبحان اللّه ما أقرب الحي من الميت للحاقه به وأبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه ) . ثم تعجب ثانيا من هذا الأمر الذي هو قرب الأحياء من الأموات قرب زمان لأنهم يمشون إلى المكان الذي استقر فيه الأموات . بينما الأموات أبعد شيء عن الأحياء لأنهم لا يقدرون على العودة إليهم ، فالحي يتحرك نحو الميت ومن تحرك نحو شيء أدركه وأما الميت فهو جامد في مكانه لا يتحرك فهو أبعد ما يكون على مكان الحي واللقاء به . . . ( إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه ) . إن شر الشر العقاب على الشر وخير الخير الثواب على الخير ، أو يراد أن شر الشر في الدنيا أعظم منه عقابه في الآخرة وأن خير الخير في الدنيا خير منه ثوابه في الآخرة لأن ثواب الآخرة وعذابها أعظم من كل شرور الدنيا وخيرها . . . ( وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه فليكفكم من العيان السماع ومن الغيب الخبر ) . كل أمر من أمور الدنيا سمعت به وبأوصافه يكون أعظم مما لو رأيته وهذا أمر مشاهد بالوجدان فربما وصف لك عالم بالنبوغ والذكاء المفرط فإذا اجتمعت فيه بان لك الأمر جليا وأنه لا يتمتع بكل ما قيل عنه