وهو اللّه حيث بلغّها إلى الناس عبر الأنبياء وأوصلها إلى كل الناس فوعاها وفهمها خير واع وهم الأنبياء ويمكن أن يكون خير من أسمعها النبي وخير من وعاها هو الإمام فقد ورد في تفسير قوله تعالى : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ أنها أذن علي . . . وداعيها أسمع كل الناس ونجح من فهمها وعمل بها . . . ( عباد اللّه إن تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه وألزمت قلوبهم مخافته ، حتى أسهرت لياليهم وأظمأت هواجرهم فأخذوا الراحة بالنصب والري بالظمأ واستقربوا الأجل فبادروا العمل وكذبوا الأمل فلاحظوا الأجل ) . ذكر عليه السلام آثار التقوى عند الزاهدين وقد تمثلت في عدة مجالات من حياتهم : أ - إن هذه التقوى منعت أولياء اللّه عن ارتكاب محارم اللّه فكل أمر محظور في الشريعة امتنعوا عنه وكل أمر واجب قاموا به .
ب - إن قلوبهم التي في صدورهم قد عاش فيها الخوف من اللّه ومن عذابه وعقابه فهم دائما يعيشون حالة استنفار في مواجهة المعصية خوفا من اللّه . . . وهذه التقوى التي حمت أولياءه محارمه وألزمت قلوبهم مخافته ظهرت آثارها أيضا في سلوكهم فقد تحولت لياليهم إلى سهر مع اللّه يخلون أنفسهم لعبادته تهجدا واجتهادا وتعبدا .
وأما نهارهم وفي أشد أوقات الحر والشدة فهم صيام وما أجمل هذا الإسناد وألطفه « أسهرت لياليهم وأظمأت هواجرهم » من حيث أسند السهر إلى الليالي والظمأ إلى الهواجر لأن الفعل فيهما أسند إليهما والعرب تقول : « نهاره صائم وليله قائم » .
ثم إن نتيجة ذلك أنهم أخذوا الراحة في الآخرة بتعب الدنيا والري وهو الشبع من الماء بعطش الدنيا من جراء الصوم واستقربوا الموت فبادروا إلى العمل لما بعده . وكذبوا الأمل الذي كان يمنّيهم ويغريهم بطول العمر وبالصحة والمال فلاحظوا أوقات أعمارهم وأنها تنقضي بسرعة فأسرعوا في فعل الخير والأعمال الطيبة .
( ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر ) . ثم ذكر بعض أوصاف الدنيا تنفيرا منها ولأجل الحذر منها ومن غرورها فبيّن أولا أنها دار فناء وبيّن فناءها بقوله : .
( فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه لا تخطى ء سهامه ولا تؤسى جراحه يرمي الحي بالموت والصحيح بالسقم والناجي بالعطب ، آكل لا يشبع وشارب لا ينقع ) . ومن الفناء أن الدهر هيأ عدة قتاله وأدوات حربه وجهزها لإطلاقها نحو غريمه - هذا الإنسان - فهو
شرح نهج البلاغة — صفحة 293
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٩٣