( قد تكفل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله مع أنه واللّه لقد اعترض الشك ودخل اليقين حتى كأن الذي ضمن لكم قد فرض عليكم وكأن الذي قد فرض عليكم قد وضع عنكم ) . إن اللّه قد تكفل لكل نفس برزقها فقال تعالى : إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ وقال : فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . . . ونحن إنما أمرنا بالعمل وتهيئة الأسباب وعلى اللّه بعد ذلك النجاح ثم نهانا عن التوجه إلى ما هو مضمون وترك ما هو مفروض فإذا كان الرزق مضمون والواجب عليّ فقط السعي فإذا قمت بذلك فقد قمت بالمطلوب ولا يجوز الحرص أكثر من هذا وراء الرزق وهذا على عكس ما أنا مأمور به من الواجبات فإن عليّ أن أسعى وراءها وأنفذها ولا أهمل شيئا منها . . . ثم أقسم أنه دخل الشك إلى القلوب فزلزل اليقين بأمر اللّه ووعده وما أخذه على نفسه فصار ما هو مضمون من الرزق كأننا مأمورون بتحصيله وما فرض علينا من الواجبات والأسباب قد وضع عنه . . . ( فبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل ) . أسرعوا إلى تنفيذ ما افترض اللّه عليكم وخافوا أن يفاجئكم الموت فتنقطع الأعمال . . . ( فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق ما فات اليوم من الرزق رجي غذا زيادته وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته الرجاء مع الجائي واليأس مع الماضي « فاتقوا اللّه حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون » ) . دعوة إلى المحافظة على عمر هذا الإنسان وأن لا يذهب هدرا بدون فائدة بل يجب أن يؤدي فيه ما وجب عليه بدون تسويف أو تأخير فإن لكل ساعة عملها ولكل لحظة ما يشغلها والعمر هو رأس مال الإنسان الذي لا يعوّض ومن فاته يوم لا يقدر على إعادته وذلك عكس المال فإنه إذا لم يقدر على تحصيل دينار اليوم يمكن أن يحصل عليه غدا وإذا خسر اليوم دينارا يمكن أن يعوضّه غدا .
ومن هنا كان ما يمكن مجيئه والحصول عليه من المال يجرى ويؤمل أن يدركه طالبه وأما ما مضى من العمر فاليأس كل اليأس في تحصيله فكل يوم مضى وانقضى لا يمكن رده أو الاستفادة منه .
ثم أمر عليه السلام في خاتمة الخطبة الشريفة بتقوى اللّه حق تقاته أي كما يجب بترك المحرمات وفعل الواجبات . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 297
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٩٧