تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وربما وصفت لك امرأة بالجمال والدلال وإذا بها لا تتمتع بما وصفت وإنما تتمتع بجزء منه . . . وأما أمور الآخرة فالامر عكس ذلك وخلافه فكل أمر وصف لك منها أو فيها يكون أقل من العيان لأن الحس البشري يتصور أوصاف الجنة والآخرة بمستوى أوصاف الدنيا وأشيائها التي تمر عليه في حياته فيحملها على أوصاف الآخرة وهذا أمر دون الحقيقة فيكون الوصف دون العيان . . . ثم أمرهم بالاكتفاء من العيان والرؤية في دار الدنيا بالسماع من الأنبياء والأئمة ومن الآخرة التي هي غيب محجوب بالخبر المنقول عنهم - فإنهم صادقون - والخبر عنها دون الحقيقة بدون شك لأن العبارة لا تقدر أن تحمل الحقيقة ونحن لا نقدر على تصور أمر خارج عما نحس به ونعيشه . . . ( واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا فكم من منقوص رابح ومزيد خاسر ) . وهذه معادلة إلهية وقاعدة إسلامية ينظر فيها إلى الآخرة وأن كل ما نقص من الدنيا وكانت به تزاد الآخرة فهو خير مما ينقص من الآخرة ويزاد في الدنيا وعلة ذلك أن ما يزاد في الآخرة يبقى ويدوم بعكس زيادة الدنيا فإنه مؤقت ومحدود والعقل يحكم بأهمية ما يبقى وتقديمه على غيره ومن ذلك أن تربح أجر الصدقة أو الزكاة أو الخمس في الآخرة وإن كانت أموالك تنقص أرقامها قليلا وعلى عكس ذلك ما لو ربحت بمعاملة ربوية وزادت أموالك في الدنيا وخسرت من رصيدك في الآخرة فإن العاقل يقدم ما يبقى على ما يفنى ويقدم الآخرة ويسعى لزيادة ربحها على الدنيا وما فيها من الربح . . . ثم قال : كم من منقوص في الدنيا رابح في الآخرة وكم من رابح في الدنيا ومزيد له خاسر في الآخرة وهذا ترغيب في الآخرة وفي العمل لها وتقديمها على الدنيا وما فيها . . . ( إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم فذروا ما قل لما كثر وما ضاق لما اتسع ) . هذا البيان حث على الآخرة وأنه طالما دائرة المحللات أوسع من دائرة المحرمات فعلى العاقل أن يختار ما فيه نجاته طالما له فيه سعة ولقد جاز لنا تناول الواجب والمباح والمستحب والمكروه وهذه لها دوائر واسعة وافرة بينما الحرام ليس له إلا دائرة واحدة محصورة في أفراد كالزنا وشرب الخمر وما أشبههما والإنسان يدع ما قل من المحرمات لما كثر واتسع من غيرها من المحللات .