ومرغتهم بالتراب حتى أنوفهم أي أذلتهم إلى منتهى الذل . . . ( ووطئتهم بالمناسم وأعانت عليهم ريب المنون ) . داستهم بأخفافها وأعانت عليهم حوادث الدهر ومصائبه .
( فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد ) .
فمن ذل لها وأطاعها واستسلم لحكمها وقدمها على الآخرة تنكرت له وأدبرت عنه وتغيرت عليه وكأنها لا تعرفه ولم تتعرف عليه فقد تغيرت عليهم حينما رحلوا عنها إلى الآخرة وفارقوها إلى اللالقاء . . . ( وهل زودتهم إلا السغب أو أحلتهم إلا الضنك ) . إنها لم تزودهم إلا بالجوع فهي لم تنفعهم بشيء وإنما حرمتهم التقوى التي هي خير الزاد حيث غفلوا عنها بوعود الدنيا الكاذبة ولم تنزلهم إلا في ضيق القبور والحال أنهم بحاجة إلى كل فسحة ترتاح لها النفوس . . . ( أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة ) . جعلت لهم الظلمة تحل محل النور ولم يحصلوا في النهاية إلا على الحسرة والندم على ما اعتمدوا عليه منها . . . ( أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون ) . بعد أن بيّن معايب الدنيا وأفعالها وما جنته على من أحبها وآثرها أنكر عليهم بصيغة الاستفهام لتكون أقوى وأقرب للقبول . . أفهل هذه الدنيا هي التي تقدمونها على الآخرة وهي التي تسكنون إليها وتتمسكون بها ولا تقبلون عنها بدلا وعنها متحولا .
( فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها ) . إنها دار شؤم وتعاسة لمن اطمأن إليها ووثق بها وهي كذلك لمن لم يخف منها ويحسب لها ألف حساب وحساب لأنها سترديه وتقتله وتوصله إلى النار . . . أما من أتهمها بمعاداته وإضلاله والانحراف به وخاف منها ومن غوائلها فهذه نعم الدار لأنه يتخذها طريقا إلى الآخرة ويعمل فيها لسعادته الدائمة . . . ( فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنكم تاركوها وظاعنون عنها ) . اعلموا وأنتم على معرفة وعلم بما أقول ، أقول لكم : إنكم تاركوها لغيركم وراحلون عنها إلى الدار الآخرة وإذا علم الإنسان بذلك لا يأسف على ما يتركه بل يأخذ بالاستعداد لما يقدم عليه . . . ( واتعظوا فيها بالذين قالوا : مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا وانزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ) . لفت أنظارهم إلى من تقدم قبلهم ليعتبروا
شرح نهج البلاغة — صفحة 274
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٧٤