وكانوا أعد عديدا أي أكثر عددا .
وكانوا أكثف جندا فإن الرعية كلها جنود بأمرة السلطان . . ومن يخرج عن إرادة فرعون إذا وجهه إلى القتال .
( تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار ) . فإن أولئك الماضين أصحاب تلك الخصائص قد أذلوا أنفسهم للدنيا وما فيها وتوجهوا إليها بكل جهودهم حتى أضحت معبودة عندهم .
وكذلك قدموها على الآخرة ورجحوا كفتها على ما عند اللّه ولكنها لم تبق لهم ولم يبقوا لها .
( ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ ولا ظهر قاطع ) . فبعد هذا التعبد منهم للدنيا وإيثارهم لها على الآخرة تركوها ورحلوا عنها مكرهين بغير زاد يشبعهم منها أو يكفيهم ولا وسيلة يقطعون بها هذا الطريق الصعب إلى الآخرة . . إنهم رحلوا عنها ولم يكن لهم من الطاعات والقربات ما يكتفون به في الآخرة أو يعينهم على تذليل الصعوبات في هذا الطريق الذي يبتدأ بالموت وينتهي بالنار أو الجنة . . . ( فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة ) . وهذا استفهام إنكاري ثاني لتشديد الأمر عليهم لعلهم يتنبهون ومن غفلتهم يستيقظون . . . هل وصل إلى أسماعكم أن الدنيا تكرمت عليهم وقدمت من نفسها فدية لهم تفديهم بها من الموت وتدفع عنهم سطوته أو أنها قدمت لهم معونة على التغلب عليه أو على دفعه أو أحسنت لهم صحبة بأن سألت عنهم واهتمت بهم على حد اهتمام الأصحاب ببعضهم ، إنه لم يكن شيء من ذلك وفي هذا أكبر اعتبار . . . ( بل أرهقتهم بالقوادح وأوهقتهم بالقوارع ) . بعد أن نفى عن الدنيا كل مساعدة لمن أحبها وآثرها أراد أن يقرر ويثبت أنها عكس ذلك فعلت إنها أغشت أهلها بالشدائد وأثقلتهم بها هذا إذا كانت لفظة الفوادح بالفاء وأما إذا كانت بالقاف فمعناه غشيتهم بالأمراض الصعبة المستعصية على الطب .
وكذلك أضعفتهم بالمحن والدواهي وحبستهم فيها فلا يكادون يفكون أنفسهم . . . ( وضعضعتهم بالنوائب وعفرتهم للمناخر ) . أذلتهم بالمصائب التي صبتها عليهم
شرح نهج البلاغة — صفحة 273
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٧٣