قال تعالى : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً هذا إذا لم يكونوا صالحين أتقياء . . . ( حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ) . هذا الحي الذي يتحرك ويملأ الدنيا بنظرياته ويشغل العالم بما يعمل ويفكر إنه سيموت ، بل يحمل موته في طيات حياته وكل يوم يمر عليه يقترب فيه من آخرته . . . وهذا السليم الصحيح في معرض المرض والشيخوخة مرض العقل والجسد . . هذا المعافى تقعده جرثومة صغيرة لا ترى بالعين المجردة . . . إنه يحمل سقمه في عافيته . . . ( ملكها مسلوب ) . كل ما تملكه ستتخلى عنه إما تنتزعه منك الأيام بنكباتها ومصائبها وإما ستتخلى عنه للوراث وعلى كل حال لن يدوم لك ولن تدوم مالكا له . ( وعزيزها مغلوب ) . هذا العزيز الذي كان يحمي ساحته ويدفع عن كرامته فهو أمام الموت مغلوب مقهور . ( وموفورها منكوب ) . صاحب المال الكثير مصاب بماله إما ينكبه الدهر بأن يصاب بالفلس والعوز بعد الغنى كما نشاهد في بعض الناس وإما ينكب بنفسه فيتخلى عما يملك لغيره . . . ( وجارها محروب ) . أي جار الدنيا مسلوب منه ما يملك لأنها لا تحفظ الجوار ولا ترعى حق الدار . . . ( ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا وأبقى آثارا وأبعد آمالا وأعد عديدا وأكثف جنودا ) . استفهام استنكاري لهؤلاء الذين يعيشون معه أن يكون مثلهم كمثل من تقدمهم ولم يعتبروا بهم ولم يأخذوا الدروس مما مرّ عليهم . ذكّرهم ببعض خصائص من مضى ومع ذلك لم تنفعهم تلك الذكرى فلقد كان من قبلهم أطول أعمارا والقرآن يحكي عمر نوح ومدة إقامته في قومه بقوله : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً ( 1 ) . وقد كانوا أبقى آثارا وتلك الشواهد أمامنا كأهرامات مصر وقلعة بعلبك وغيرهما . . . وكانوا أبعد أمالا لأن طول العمر يستدعي طول الأمل كما هو الغالب .
شرح نهج البلاغة — صفحة 272
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٧٢
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت آية - 14 .