الرغيد والسعة والجاه إلا وأعقبت ذلك ضيقا وغما ومطاردة وعبّر عن الخير الذي يصيبه من الدنيا بالمطر الخفيف القليل ومقابل ذلك سقوط الشدة والبلاء عليه بالغيوم ذي الأمطار الكثيرة . . . ( وحرّي إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة ) . وجدير بها وهو ان طبعها أنها إذا انتصرت لإنسان وأعزته ورفعت مقامه صباحا أن تهزمه في آخر النهار وتتغير عليه وكم من نجاح باهر وفرته له الحياة صباحا لم يأت المساء إلا وأعقبته هزيمة مرة وغصّة مؤلمة . . . ( وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمّر منها جانب فأوبى ) . إذا صفت من جانب الصحة وتمتع بها فإنها من جانب المادة والمال يذوق حرارة الحاجة والفقر . . ، وإن صفت من جانب الأولاد فكانوا صالحين تعكرت من جهة الجيران والخلان فكانوا متهتكين غير ملتزمين . . . ( لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا ) . لم ينل الإنسان من نعيمها ما يرغب فيه ويريده إلا حملته وأغشته من نوائبها ومصائبها التعب والمشقة . . . ( ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف ) .
بينما هو مساء في أمن ودعة إذ به يصبح في معرض الخوف والفزع إشارة لكثرة تقلبها وسرعته وتعبيره بجناح أمن لما في الجناح من العز والأمن بينما القوادم وهي ريش مقدم الجناح لأنها دقيقة والراكب عليها في معرض الخطر أتى به .
( غرارة غرور ما فيها فانية فان من عليها ) . إنها تغر الإنسان كثيرا يراها كل أمنيته وغاية نظره لأنها تزينت له ولبست أجمل حللها فغرته وكذلك كل ما فيها من جمال ومال وشباب وأولاد وزينة كلها تغر هذا الإنسان وتدفعه إلى حبها والسير ورائها ظنا منه أنها تبقى له ويدوم لها ولكنها فانية ويفنى من عليها ولا يبقى أحد سوى وجه اللّه العزيز القهار . . . ( لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى ) . نفي لكل زاد يتصور الإنسان أنه يتزود منه في الدنيا إلا زاد التقوى . . فالمال لا يبقى والجاه يزول والأولاد يموتون والسلطان ينقضي نعم لا يبقى ولا يفيد الإنسان وينفعه إلا التقوى المتجسدة بالقيام بالواجبات الشرعية وترك المحرمات الإلهية . . . ( من أقلّ منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه وزال عما قليل عنه ) . هذه معادلة مغايرة لما عند الناس ، إنها معادلة تنسف ما تسالم عليه الناس
شرح نهج البلاغة — صفحة 270
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٧٠