( غرارة ضرارة ) . فهي كثيرة الغرور بما تظهر من أمور تعجب الناس وهي كثيرة الضرر لهم لأنها تجرهم إلى النار بملذاتها المؤقتة وتفوّت عليهم المنافع الحقيقية في الآخرة . . . ( حائلة زائلة ) . إنها متغيرة من حال إلى حال لا تستقر ونحن نرى تغير الدنيا وتحولاتها فبينما هو اليوم في الملك والسلطان وإذا به يطارد غدا ولا ترى له قرار وبينما هو اليوم في صحة جيدة إذ به غدا طريح الفراش يصرخ ويشتكي وهكذا . . . وهي أيضا زائلة لا بقاء لها تمضي بسرعة وتنقضي على عجل . . . ( نافذة بائدة ) . إنها تنتهي إلى مدة مضروبة لها لا تتجاوزها وهي هالكة لا خلود لها ولا دوام . . . ( أكّالة غوالة ) . فهي تأكل الناس وتبتلعهم وهي تهلكهم ولا تبقي منهم أحدا فعلى كثرة ما تدفع الأرحام تبتلع الأرض .
( لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال اللّه تعالى سبحانه : كَماءٍ أنَزْلَنْاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تذَرْوُهُ الرِّياحُ وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) . لا تتجاوز الدنيا بما فيها عند الراغبين فيها والراضين بها والمتمنين لها أن تكون أكثر مما ضربه اللّه لها مثلا في القرآن من أنها تعجبهم وتزهر في عيونهم وتروقهم محاسنها ثم عن قليل تزول عنهم وتنزوي عن ساحتهم ، وتتحول إلى غيرهم . . . فحال من أعجبتهم وحلت في أعينهم كحال الزرع الأخضر النضر يأتي عليه الزمن فيصيبه اليباس ثم يتحطم وتنسفه الريح في الفضاء والدنيا هكذا تعجب أشخاصا وتروق لهم ثم تنزوي عنهم وتتخلى عن رغباتهم . . . ( لم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ) . وهذه حال الدنيا بعد السرور يأتي الحزن وبعد العرس والفرح يأتي المأتم والحزن .
( ولم يلق في سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ) . لم يتناول من خيرها شيئا إلا جاءته بشر بعده وتعبيره بالبطن للسراء لأن من يلقى صاحبه بالبشر والسرور يلقاه بوجهه وعبر بالظهر للضراء لأن من يلقى عدوه بشر أو باشمئزاز وكراهية يعطيه ظهره . . . وتعبيره بالظهر والبطن يمكن أن يشير إلى قرب السراء من الضراء وأنهما متلاصقان لا يفصل بينهما حاجز . . . ( ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء ) . لم تعطه قليلا من العيش
شرح نهج البلاغة — صفحة 269
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٦٩