الثانية : « حفت بالشهوات » فالشهوات محيطة بهذه الدنيا شهوة المال والجاه والسلطان والأولاد وغيرها والقوي هو الذي يكسر هذا الستار المضروب ويطيع اللّه فيما أمر . . . ( وتحببت بالعاجلة ) . جعلت الناس يحبونها بما فيها من ملذات عاجلة ترغب فيها النفس من مأكل ومشرب وجنس فهي كالمرأة المتحببة بمالها وجمالها . . . ( وراقت بالقليل ) . أعجبت الناس بهذا القدر القليل الذي فيها . . فما قيمة المال فيها مقابل الآخرة وما قيمة الطعام مقابل طعام الآخرة وما قيمة القصور مقابل الجنان في الآخرة وما قيمة الخدم والحشم مقابل الولدان والخدم في الآخرة . ( وتحلت بالآمال ) . تزينت لأهلها بما يؤملون منها وهي آمال باطلة غير مستقرة يؤمل الإنسان بحسب صحته أنه يعيش وكأنه مخلد فيها فيعمل بمقتضى هذا الأمل وإذا بالموت يأتيه فيرديه . . . ( وتزينت بالغرور ) . أظهرت زينتها بما فيها من مال وجاه ونعيم ولكنها زينة باطلة لعدم دوامها وبقائها بل هي كالظل يختفي بسرعة . ( لا تدوم حبرتها ) . لا تدوم مسراتها ولا تستقر ملذاتها وأي سرور يستقر ومن لطائف ما قرأت أن يزيد بن عبد الملك عندما أفضت إليه الخلافة قالت له زوجته : يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شيء قال : نعم قالت : وما هو قال : حبابة - وهي مغنية كان يحبها قبل الخلافة - فاشترتها له وهو لا يعلم وزينتها وأجلستها ( 1 ) من وراء ستر لها ثم قالت : يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من الدنيا شيء قال : أو ما أعلمتك أنها حبابة فرفعت الستر وقالت : ها أنت وحبابة وتركته وإياها فحظيت عنده وغلبت في عقله . . وإنه قال يوما : إن بعض الناس يقولون : إنه لن يصفو لأحد من الملوك يوم كامل من الدهر وإني أريد أن أكذبهم في ذلك ثم أقبل على لذاته واختلى مع حبابة وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره فبينما هو على تلك الحالة في صفو عيشه وزيادة فرحه وسروره إذ تناولت حبابة حبة رمان وهي تضحك فغصت بها فماتت فاختل عقل يزيد وتكذر عيشه وذهب سروره ووجد عليها وجدا شديدا . . . ( ولا تؤمن فجعتها ) . فمصائبها ورزاياها على أهبة الاستعداد بينما الإنسان في عرس وإذا به ينتقل إلى مأتم وبينما هو في سرور وإذا به ينتقل إلى حزن .
شرح نهج البلاغة — صفحة 268
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٦٨
هامش
( 1 ) حياة الحيوان الكبرى للدميري ج 1 ص 71 .