تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
بلسانه ولا يسمع بسمعه يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ) . والموت يبتدأ بحركة بطيئة يسري كالمخدّر في جسد الإنسان ثم يشتد ويعنف حتى يبلغ درجة يمنعه عن الكلام وعن السمع فهو مطروح بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع منهم شيئا ، لقد تعطل لسانه كما تعطل سمعه ، ولم يعد يملك إلا بصره ينقله بين الحضور يرى حركات شفاههم ولكن لا يسمع حديثهم ولا يفهم ما يقولون . ( ثم ازداد الموت التياطا به فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الروح من جسده فصار جيفة بين أهله ) . وهذه صورة تحكي آخر لحظات هذا الإنسان في الدنيا . . تحكي قصة الموت الذي أجهز على هذا المخلوق ، إنه بقي يتغلغل في هذا الجسد ويسلب من كل عضو دوره وحركته وفاعليته حتى أتى على البصر فقبضه ومنعه من أداء دوره كما قبض سمعه من قبل ومنعه من أداء دوره وعندها خرجت الروح من الجسد . . . هذه الروح التي كانت تحرك هذا الجسد بطوله وعرضه قد خرجت منه فأصبح جيفة بين أهله ينفرون منها ويشمئزون من وجودها وإذا تأخرت عن المواراة قليلا تخرج رائحتها فتزعج القريب والبعيد . . . إنها صورة تستدعى من هذا الإنسان أن لا يعطي هذا البدن كل همه ولا يبحث عن راحته ولذته إلا من خلال ما أمر اللّه أو أباح ولا يخرج عن ذلك تحت أي ظرف أو اضطرار . . . ( قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه لا يسعد باكيا ولا يجيب داعيا ) . فهذا الحبيب الذي كان يتمنى الحبيب رؤيته ويطلب القرب منه . . . هذا الأخ القريب الذي كان ينشر الأنس قبل لحظات هذا الولد الذي لا يقدر على فراقه والداه . . هذا الخليل الذي كان يذوب رقة لخليلته . . هؤلاء جميعا تتبدل أحوالهم بعد الموت تبدل الأنس بالوحشة فلا يقدر أحد من الأحبة على البقاء مع حبيبه الذي مات . . إنه يخاف ويخشى منه وهو ميت . . . يبطل التفكير وتتعطل قوى العقل فيخاف من ميت حبيب فيتباعد عنه ويهرب منه . . . وهذا الميت الذي كان يلبي من دعاه قبل قليل لم يعد يستجيب لأحد حتى لأعز الناس ومن كان أشدهم طوعا له كما أنه لا يرفع دمعة مسكين عليه أو يجبر قلب يتيم له . . . ( ثم حملوه إلى مخط في الأرض فأسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زورته ) . وهذه هي نهاية هذا المخلوق مع أهله وهذا غاية ما يقدمونه إليه ، إنهم يحملون جنازته إلى مقره الأخير . . . إلى حفرة صغيرة حقيرة تداس بالأقدام وينظر إليها العابرون بدون مبالاة . . .