تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
( تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتعون بها فيكون المنهأ لغيره والعبء على ظهره والمرء قد غلقت رهونه بها ) . وهذه حال الأغبياء في الدنيا إنهم يجمعون الأموال لا ينظرون إلى حلالها من حرامها بل ينظرون إلى ما تكدس عندهم منها وعندما تأتي ساعتهم وتقع منيتهم يفارقونها ويتخلون عنها للورثة فيكون الغرم عليهم حيث يعذبون بها وتنالهم النار بسببها بينما تأتي إلى الورثة حلالا صافية لعدم علمهم بمصادرها فيأتون ويتمتعون ويتهنئون بها فالمهنأ لغيره والعقاب عليه وهل هناك أكثر تعاسة وغباء ممن يجمع لغيره ويعذب من أجل أن يوفر له الملذات والطيبات وقد كان باستطاعته أن يوفر لنفسه ولغيره ما يكون عن طريق الحلال . . . لقد استحكمت تبعاتها فيه ولا يمكنه الخلاص من تلك الآثار ، لقد لزمته وسيحارب على جمعها من غير طرقها المشروعة . . . ( فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ) . عند الموت تنكشف الدنيا على حقيقتها ويدرك هذا الإنسان ما كان يحذرّه منها المرشدون والمبلغون ، لقد وقف أمام الحقيقة عارية لا يحجبه عنها شيء ، لقد وصلته الأنباء من قبل . . إنه سيفارق الأموال والدور والقصور والأهل والولد وسيدرك أن العمل الصالح الذي كان يحضه عليه أهل الخير هو الباقي النافع المفيد ، سينكشف أمام بصره عند الموت كل شيء وسيعض يده ندامة ستأكل الحسرة قلبه على ما فرط في جنب اللّه وما عمل من حرام وارتكب من موبقات . . . سيعض يده حسرة وندامة على ما ظهر له من حقائق نافعة يتمنى لو قام بها ومن حقائق باطلة يتمنى لو اجتنبها ، وسيدرك أن الذي كان يرغب فيه عندما كان على قيد الحياة من المال والجاه والمنصب قد زهد فيه الآن لأنه عرف أنه لن يدوم ولن يبقى وإنه سيفارقه . . . لقد زهد الآن وهو في ساعة الاحتضار زهد بكل ما كان يرغب فيه ويحبه ويتمناه في أيام عمره في الدنيا . . . وكذلك يتمنى أن من كان يغبطه على الدنيا أو يحسده عليها قد أوتيها دونه ليناله ما ناله من ندم وحسرة وألم . . . وهكذا أبناء الدنيا وكلنا من أبنائها لا ننتبه إلى أنفسنا وما ينفعها إلا بعد أن نقع على فراش الاحتضار عندها فقط تنكشف لنا الأمور وندرك الحقائق ونتمنى أن نكون قد هجرنا الدنيا وما فيها من متع زائلة فانية لا تدوم وتوجهنا إلى ما يبقى ويدوم . . . ( فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه وسمعه فصار بين أهله لا ينطق