أحدهم وبين منطقه ) . فهذه الأعضاء من اليد والرجل والعين والأذن كانت قوية تملك الحركة ولكن عندما نزل بها الموت سكنت وتراخت ولم تعد تقوى على الحركة أو التحرك وأما ألوانهم التي كانت تزهر وكانت تحكي عن النعيم ونضرته هذه قد سحبت وتغيّرت عما كانت عليه إنها تنطق بعظيم ما حل بها ونزل بساحتها وهكذا تحرك الموت في جميع أجزاء البدن وابتدأ يغزو كل ناحية من هذا الجسم ويتغلغل في كل زاوية حتى بلغ الأمر أن امتنع المحتضر عن الكلام وتوقف عن الحديث ولم يعد يقدر على النطق مع كونه مالكا لآلة النطق وأدواته . . . ( وإنه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه على صحة من عقله وبقاء من لبه ) .
فالجسد بكامل أعضائه قائم تام ، إنه مسجى بين أهله ينظر يبصره يقلبه في الحضور بين أبنائه وأزواجه وحفدته ويسمع بأذنه كل ما يتكلمون به ويتحدثون عنه في كمال العقل والفهم والوعي ولكنه مع ذلك لا ينطق ولا يتكلم وإنما يرى ويسمع فحسب . . . ( يفكر فيم أفنى عمره وفيم أذهب دهره ) . هذه الساعات الأخيرة من الدنيا يرجع الإنسان فيها إلى نفسه ويعيد حساباته من جديد ، إنها ساعات الاستحقاق يجب أن يدفع فاتورتها هذا المسجى على فراش الموت ، إنه يفكر في أغلى ما عنده ، يفكر في رصيده كيف ضيعه وأهدره . . . الآن وهو يلفظ أنفاسه يفكر في عمره الذي انقضى ومضى كيف أفناه في اللهو ومتع الدنيا وملذاتها فتأكل الحسرة قلبه ويتمنى أن يكون قد قدّم ليومه هذا ولما بعده . . . وهذا الوقت الذي مضى من عمره أيام شبابه وكهولته وشيبته ، كيف تصرّم ذلك الوقت وكيف لم يستفد منه لحياته الباقية . . إنها ساعات صعبة يستحضر الإنسان فيها عمره الماضي ليتمنى من خلال هذا الاستحضار لو أنه عمل لآخرته . . . ( ويتذكر أموالا جمعها أغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها ) . وهذه أيضا من جملة ما يستحضره المحتضر ، إنه يلتفت إلى أمواله التي جمعها ولمّها دون أن يسأل عن مصدرها ككثيرين منا يهمهم المال يجمعونه من أي سبيل كان ، من حلال أو حرام أو من موارد الشبهات لم يتحروا مصادره الشرعية بل اغمضوا أعينهم عنها . . هؤلاء سيأتي عليهم وقت يأسفون لكل قرش لم تتضح مصادره الشرعية ، وستأكل الحسرة قلوبهم عندما تتقطع بهم الأسباب ولم يقدروا على إعادتها لأهلها ، لقد لحقتهم آثارها من العذاب والعقاب وفارقوها لغيرهم يتمتعون بها . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 238
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٣٨