حصل عليه غيره منه فليس شتمه وإهانته غضبا للدين وحفظا لشريعة سيد المرسلين وإنما كان غضبه للدنيا ولمن حرمه شيئا منها . . . ( لا ينزجر من اللّه بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ ) . أمام المحب للدنيا والعاشق لها والمتطلع إلى ملذاتها تسقط كل زواجر اللّه التي بثها اللّه في كتبه وعلى ألسنة رسله كما أن كل المواعظ تفقد مفعولها وتتعطل وتسقط عن الاعتبار ، يقفل على القلب وتتعطل أجهزة الاستقبال فيه فمهما بالغ الوعاظ والمرشدون ومهما بذلوا من قدرة وطاقة لحمله على الطاعة والابتعاد به عن المعصية لم يفلحوا بل ارتدت عليهم دعوتهم بالاستهزاء بهم والتصغير لشأنهم . . . ( وهو يرى المأخوذين على الغرة حيث لا إقالة ولا رجعة ) .
الضمير يعود إلى عبد الدنيا والإمام هنا يشرح تفاصيل الموت ويبتدأ في هذا الفصل بهذه الالتفاتة الكريمة ويشرح فيها غفلة هذا الإنسان بأنه يرى من فاجأهم الموت فأخذهم إليه فقد كانوا في ريعان الشباب وكانوا يتطلعون إلى المستقبل بأمل عريض يرسمون خلاله الحياة التي ينشدون ويرغبون ولكنه الموت الذي هجم عليهم وهم في آمالهم فأخذهم وعندها فلا إقالة من عمل سيئ ولا رجوع إلى الدنيا كي يصلحوا ما أفسدوا ويرمموا ما خربوا . . . ( كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ) . هجم عليهم الموت بتفاصيله وخصوصياته وقد كانوا يجهلون هذه التفاصيل والخصوصيات وما يلاقونه عندما يحل بساحتهم .
كما أنهم كانوا يأمنون إلى صحة أبدانهم وسلامتها وإلى أموالهم وكثرتها وكانوا لا يفكرون تفكير من يفارقها ولكن الآن بعد أن جاءهم الموت عرفوا الفراق لكل ما يحبون .
كما أن ما كانوا يوعدون فيه في الآخرة من العذاب والعقاب قد وصلوا إليه وأدركوه بل هم يعيشونه حقيقة تمارس عليهم . . . ( فغير موصوف ما نزل بهم : اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ) .
وكيف يصف الموت إلا من حل به أو تلقى أخباره عن النبي ، إنه فوق الوصف اجتمعت على هذا العبد الآبق سكرة الموت أي آلامه وعذابه وحسرة الفوت حسرة ما فاته من الأعمال الصالحة التي ضيعها أو حسرة الترك للواجبات التي يتمنى لو أتى بها وامتثلها . . . ( ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم ثم ازداد الموت فيهم ولوجا فحيل بين
شرح نهج البلاغة — صفحة 237
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٣٧