تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ومن أحب اللّه لم يعد يرى أحدا معه واستولى حبه حتى وصل إلى شغاف القلب فلم يعد يبصر أحدا معه في الوجود . . . وهذه الكبرى الكلية والقاعدة العامة تنطبق على من أحب الدنيا إنه لم يعد يرى شيئا سواها فتغيب عن نظره الآخرة وما فيها وتختفي القيم والمثل وكل كرامة وشرف ويمرض قلبه من حيث لا يعود يفكر فيها وفي عواقبها وما ينتج عن العبودية لها . . . ( فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة ) . تتعطل حواس المحب بل تنقل الأشياء على خلاف واقعها لصالح المحب فمن أحب شيئا يرى فيه قمة الكمال وإن كان في الحضيض ويتحول القبح إلى جمال والاعتداء إلى اعتدال ويتحول ما يسمعه من حديث عنه إلى مناقب له وإن كان فيه مذمة وهذا مصداق ما يقوله الشاعر :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة * كما أن عين السخط تبدي المساويا
( قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها ) . فهذا العقل الذي هو حصن حصين والذي من عادته أن يمنع صاحبه من التردي والوقوع في المهالك والرذائل قد انخرق وتمزق فقد خرقته الشهوات ومزقته ونفذت فيه من جهة إلى أخرى وبذلك فقد حصانته ومناعته وفقد بالتالي قيمته وما قيمة عقل تغلبه شهوة فرج أو شهوة بطن وما قيمة عقل تغلبه شهوة ملك أو مال . وأما هذا القلب فقد أماتته الدنيا لم يعد يحمل القلب الذي يرق على الضعفاء والفقراء والمساكين وأهل الحاجة لقد مات الحس الداخلي في هذا القلب فلم يعد ينتفع به . . . واستولى حب الدنيا على نفسه وتاه في حبه لها حتى عشقها فأضحى عبدا لها ولمن في يديه شيء منها فتراه يذل نفسه من أجل الحصول عليها ، ويبيع كرامته وعزته كما يبيع وطنه وداره من أجل هذه الدنيا ويميل مع من تكون فهو مع هذا النظام الذي يوفر له الدنيا وإن كان من أفسد الأنظمة وأبعدها عن اللّه وقد يكون مع ذاك وهكذا دواليك ليس له ضوابط إلا الدنيا ومنافعها ومن أجلها تهون كل كرامة ومن أجل الوصول إليها تذوب كل فضيلة ومنقبة وكل قيم السماء ودعوات الأنبياء . . . وقد مرّ علينا في حياتنا نماذج رهيبة ممن يميلون مع الدنيا ومع من تكون فهذا العالم الفذ الكبير يشتم فلانا ثم يصير من أتباعه بل يكيل له المدح والثناء فتروح تفتش عن أسباب هذا الانقلاب تدرك أنه كان يشتمه لأنه لم ينل من عطائه ولم يحصل على ما