تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وزروعا وثمارا ) . أشار إلى الدار الآخرة وأن اللّه خلقها وجعل فيها مأدبة كريمة فيها ما تستلذ الأعين وتستطيب الأنفس وعدد من أصناف تلك النعم الممتدة فوق هذه المائدة المشروب من لبن وعسل مصفى ، ومن المطعوم ما يهنأ به الآكل ويلتذ ومن الأزواج حور عين ومن المساكن قصور ومن مميزاتها أن فيها أنهارا تجري من تحتها تسر الناظرين وزروع تبهج النظر وثمار طيبة الطعم . . . ( ثم أرسلت داعيا يدعو إليها فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبتّ رغبوا ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا ) . خلق اللّه الدار الآخرة وجعل فيها مأدبة وأرسل رسله يدعون إليها فأجهدوا أنفسهم ليحملوا الناس على دخولها وقد كانت مشقات وأتعاب وألم وعذاب ولكن لسوء حظ هؤلاء الناس ولتعاستهم وشقائهم لم يستجيبوا للرسل ولم يقبلوا من الأنبياء وذهبت كل مرغباتهم أدراج الرياح وكل ما شوقوهم إليه فيها مما أعده اللّه هباء منثورا لم يتأثروا بشيء منه ولم يستجيبوا للدعاة إلى الجنة ولم يقبلوا منهم دعوتهم . ( أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها واصطلحوا على حبها ) . تركوا الآخرة ورفضوا دعوة الأنبياء إليها ولم يقبلوا منهم قولا . ثم أقبلوا على جيفة وهي الدنيا وما فيها وما أقبح هذه الصورة وما أصدقها على الدنيا وقد وصفتها جملة من الأحاديث بهذا الوصف المنفر المبعّد ولكن مع هذا ترى إقبال أهلها عليها وحبهم لها وتضحيتهم من أجلها . . . إنها جيفة أقبل عليها الناس كل واحد يأخذ منها ما يقدر عليه قد افتضحوا بأكلها أي ظهرت معايبهم لذوي الأبصار والأفهام من حيث تكالبهم عليها وتقاتلهم للوصول إليها وبالدنيا تمتحن الرجال فعند ما تأتي إليك وترفضها فأنت أنت ، وأما إذا لم تقع بيدك ، ولم تقدر عليها فليس لك كبير فضل إن زهدت فيها وابتعدت عنها . . . وأما قوله واصطلحوا على حبها فهو كناية عن التوافق على محبتها فقد تراضى الناس أن يأخذ كل واحد منها ما يقع تحت يده منها دون أن ينكر عليه الآخر أو يردعه ويرده أو يعظه ويحذره . . . ( ومن عشق شيئا أعشى بصره وأمرض قلبه ) . وهذه قاعدة عامة وكبرى كلية في كل المجالات ، إنها الحقيقة السافرة التي كشفت القناع عن كل أمر ، من أحب امرأة لم يعد يرى سواها . . يراها في أعلى مراتب الجمال وفي أسمى منازل الكمال ولا يقبل عليها حديثا باطلا ولا كلمة سوء وإن كانت حقا . . ومن أحب المال فلا يعود يرى إلا بريقه ووسائل الوصول إليه وتتعطل عنده كل مواعظ الأنبياء وتزهيدهم فيها وفي رفضها . . .