تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
( هم أعلم خلقك بك وأخوفهم لك وأقربهم منك ) . هذه أوصاف كريمة للملائكة تجعلهم في المحل الأعلى وهي : الأولى : إن الملائكة أعلم خلق اللّه باللهّ فقد وصلوا إلى مرحلة متقدمة في علمهم باللهّ ولم يصلوا إلى نهاية المعرفة . الثانية : إن الملائكة أخوف خلق اللّه للهّ وهذا نتيجة المعرفة الصادقة فمن عرف قدرة اللّه خاف منه ولذا قال تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عبِادهِِ الْعُلَماءُ . الثالثة : إن الملائكة أقرب خلق اللّه للهّ وهذا القرب ليس مكانيا وإنما تشريفيا ومرتبة على غيرهم لأن هذا أيضا نتيجة علمهم باللهّ وخوفهم منه . . . ( لم يسكنوا الأصلاب ولم يضمنوا الأرحام ولم يخلقوا من ماء مهين ولم يتشعبهم ريب المنون ) . وهذه أوصاف بشرية ينفيها الإمام عن الملائكة . فهم لم يستقروا في أصلاب الآباء ولم تحتويهم أرحام الأمهات ولم يخلقوا من ماء حقير - وهو مني الرجل - ولم يفرّق شملهم الموت كما يحدث لبني آدم . ( وإنهم على مكانهم منك ومنزلتهم عندك واستجماع أهوائهم فيك وكثرة طاعتهم لك وقلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ولزروا على أنفسهم ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ولم يطيعوك حق طاعتك ) . يبيّن عليه السلام بعض خصائص الملائكة وأنهم على مكانتهم السامية القريبة من اللّه ومنزلتهم الرفيعة عنده والتقاء كل أهوائهم وتوجهاتهم في اللّه وكثرة طاعتهم له وقلة الغفلة عن أمر اللّه مع كل ذلك لو أدركوا حقائق ما خفي عنهم وما حجب عن أبصارهم ومعرفتهم لأدركوا حقارة أعمالهم وعابوا أنفسهم بهذه الطاعات القليلة وعرفوا عندها أنهم لم يعبدوه كما يستحق وإنما عبدوه على قدر معرفتهم ولم يطيعوه كما هو أهل وهذا منه تعليم لنا وتهذيب وحث على طاعة اللّه وأن لا يأخذنا العجب من بعض أعمال مطلوبة منا نؤديها . . . ( سبحانك خالقا ومعبودا بحسن بلائك عند خلقك ) . أنزهك يا رب عما لا يليق بك حالة كونك خالقا للخلق ومعبودا لهم دون شريك معك أو ند بسبب ما جعلت من البلاء والامتحان لخلقك فإنك أردت إيقافهم على الصالح والطالح والشقي والسعيد فاختبرتهم بما أردت من وجوه البلاء والامتحانات . . . ( خلقت دارا وجعلت فيها مأدبة : مشربا ومطعما وأزواجا وخدما وقصورا وأنهارا