تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وبالاضطرار والقهر وبدون التفات وتنبهّ يصرخ المضطر بصوت كله رقة وعطف واستغاثة « يا اللّه » إنها الكلمة التي ينطقها الإنسان من أعمق شعوره ومن فطرته وأساس تكوينه « يا اللّه » حقيقة تنطوي عليها كل نفس تظهر قهرا عن كل الناس حتى الجاحدين لمضمونها والمنكرين لوجودها ، حتى هؤلاء يرجعون إلى اللّه في كشف كربتهم وإزالة علتهم ، يلتفت الإنسان لا شعوريا إلى القوة المطلقة القادرة على إغاثته فلا يجد غير اللّه يعينه وينجيه . . . وهذا مضمون قوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فإَلِيَهِْ تَجْئَرُونَ وقال تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلّا إيِاّهُ . ( من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سره ) . هذا إشارة إلى عموم علمه وإنه كما يعلم كل ما يتكلم به الإنسان يعلم ما يسره ويكتمه‌وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فإَنِهَُّ . ( ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلبه ) . إنه سبحانه الحاكم في الدنيا وفي الآخرة فمن عاش فاللهّ هو رازقه وبه تقوم حياته ومن مات فإلى اللّه يرجع وإليه الحساب يجزي المطيع بالجنة والعاصي بالنار ، وهذا رد لهذا الإنسان إلى حقيقته وأنه في كلا الدارين تحت عين اللّه . . . ( لم ترك العيون فتخبر عنك بل كنت قبل الواصفين من خلقك ) . تنزيه للهّ أن يقع تحت بصر لأن من يقع تحت الأبصار يكون محدودا والمحدود ممكن محتاج إلى المكان واللّه منزه عن ذلك هو واجب الوجود ولكن إذا لم تره العيون فقد رأته القلوب بحقائق الإيمان . . . بل كيف يخبر عنك الواصفون وأنت كنت قبل خلقهم أي الأصل في خلقهم والمنزه عن الجسمية التي هي من عوارض الإمكان . . . ( لم تخلق الخلق لوحشة ولا استعملتهم لمنفعة ) . هذا تنزيه للهّ عما يعتري المخلوقات من الناس فإن المتفرد منهم يستوحش فيطلب ما يؤنسه ويزيل وحشته واللّه سبحانه لا يتأثر بالكون وما فيه فلم يخلق ما خلق من أجل أن يرفع استيحاشه . كما أنه لم يكلفهم بما كلفهم به من أجل أنه محتاج يريد أن ترجع المنفعة إليه بل هو غني بالذات وما كلفهم إلا لصالحهم وما ينفعهم . . . ( ولا يسبقك من طلبت ولا يفلتك من أخذت ) . من طلبته أدركته ولن يفوتك أخذه ومن أخذت لن يفلت منك ويهرب من بين يديك وهذا إشارة إلى كمال قدرته وهذا