ينكشف عنكم الردى وكيف تخدعكم الآمال الكاذبة والدعاوى الباطلة فتتسارعون نحوها وتتسابقون إليها . . . ( ومن أين تؤتون وأنى تؤفكون ) . من أي جهة يأتيكم الباطل فيسيطر عليكم ويضلكم عن السبيل وكيف تصرفون عن قصد السبيل وعن الحق الواضح المبين .
( فلكل أجل كتاب ولكل غيبة إياب ) . قالوا : إن هذا الكلام منقطع عما قبله على عادة الشريف في التقاط أبلغ كلام الإمام وأن كل حكم مكتوب على الإنسان لا بد وأن يأتي وقته ولا بد لكل غائب من رجوع تحذيرا لهم عن غفلتهم واشتغالهم بأمور الدنيا فحسب وقال بعضهم : إنه متصل بما قبله وفسره بقوله : إن ما أخبرتكم من وقوع الفتن واقع في أجله وحينه لا محالة . . . ( فاستمعوا من ربانيكم وأحضروه قلوبكم ) . استمعوا إلى أقوال المتوجهين إلى اللّه المخلصين من علماء الأمة ولتحضر قلوبكم وتتوجه إلى كلامهم وتتفهمه وتعمل به ويريد بهذا الكلام نفسه الشريفة .
( واستيقظوا إن هتف بكم وليصدق رائد أهله ) . انتبهوا من غفلتكم وارجعوا إلى أنفسكم إذا صاح بكم ودعاكم لما يحييكم .
وأنتم رواد قومكم فكل واحد منكم إذا رجع إليهم ليصدق في نقل ما سمع وليحمل إليهم ما وعى من هذا الحديث . . . ( وليجمع شمله وليحضر ذهنه ) . أما أن يراد بقوله : وليجمع شمله أي يجمع أفكاره وعزائمه ولينظر في الأمور التي أقولها له .
أو يراد بجمع شمله أن يوحد صفه مع الآخرين ويجتمع معهم تحت لوائه .
وليحضر ذهنه أي يتوجه ولا يشتغل بما يواجهه من أمور الدنيا وإنما يتوجه إلى كلامه ويحلله ويعرف مغزاه . . . ( فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة وقرفه قرف الصمغة ) . لقد أوضح الإمام أمور الدين والشرع ولم يترك خافية عليهم إلا ودلّهم عليها وظهرت جلية أمامهم كما يظهر باطن الخرزة إذا انفلقت وانكسرت كما أنه ألقى إليهم كل ما ينفعهم ولم يدّخر عنهم شيئا سواء كانت من أمور دينهم أو دنياهم وقيل : ما أخبرهم به من الفتن وشبه إلقاؤه لهذا الأمر بالصمغة إذا قشرها الشخص عن الشجرة فإنها لتماسكها تخرج كلها وتنقلع بأجمعها .
شرح نهج البلاغة — صفحة 219
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢١٩