طبيب يحمل مهنته معه بما عنده من العلوم وبما اتقن من الأدوية التي هي المواعظ والحكم وآيات الكتاب وسنة النبي المختار حمل أدويته واستعد بكل أجهزته التي بها يكون العلاج من مكواة وغيرها ، إنه حملها كلها وأخذ يضع لكل داء حاجته من الدواء فمن مرض قلبه داواه بالذكر والموعظة والرجوع إلى اللّه وفتحه بما عنده من آثار النبوة وعبق الإمامة وعطر الإخلاص ، ومن كانت آذانه صماء لا تسمع موعظة ولا تعي حكما فتحها فجعلها تسمع وتعي وتعتبر بكل ما تسمع كما أن من كان أبكما لا يتكلم بحق حوّل لسانه إلى أن ينطق بالحق ويقول الصدق وحلّ عقدته بذكر اللّه والعودة إليه . . . ( متتبع بدوائه موضع الغفلة ومواطن الحيرة ) . إنه يحمل الدواء ويبحث عن الداء فمن كان غافلا عن آخرته وعما ينفعه أيقظه من غفلته ووعاه لما ينفعه ودلهّ على موارد النجاة .
ومن كان في حيرة من أمره وفي نفسه شك وتردد من أمر اللّه أو شيء من أحكامه رفعه حيرته وأنزل عليه برد اليقين وسقاه شراب التصديق فارتفعت الحيرة وزال الشك والتردد وحل محلها اليقين باللهّ وبما جاء به رسوله . . . ( لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة فهم في ذلك كالأنعام السائمة والصخور القاسية ) . هذا توبيخ للذين تخلفوا عن الاخذ منه إنهم لم يجنوا عن أنوار الحكمة التي تتفجر منه ولم يستفيدوا مما أناره لهم من الطرق والدروب ولم يجهدوا أنفسهم في استخراج العلوم الحقة المضيئة المفيدة التي تنفع البشرية وتساهم في رقيها وتقدمها . . . ثم وصفهم أنهم كالأنعام المعلوفة التي اكتفت بشبعها دون أن تفكر بشيء من مصالحها وما ينفعها كما شبههم بالصخور القاسية التي لا تتأثر بشيء ولا يفتتها شيء . . . ( قد انجابت السرائر لأهل البصائر ) . انكشفت الأسرار لأهل الأفكار والفطنة وقالوا : إن الأسرار هي ما أضمره المعاندون للحق في إطفاء نور اللّه وهدم أركان الشريعة وقالوا : إن الأسرار هي ما انكشف له عليه السلام من استيلاء بني أمية على الحكم وظلمهم .
( ووضحت محجة الحق لخابطها ) . لقد ظهرت أعلام الشريعة ووضحت أحكام الدين فلا عذر للجاهلين السائرين على غير هدى لأن سيرهم عن شقاق وعناد بدون حجة وبرهان .
شرح نهج البلاغة — صفحة 216
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢١٦