وتباغضوا على الصدق من حيث إن من يصدق منهم في أقواله وأفعاله لا يعجب الآخرين كما أنه لا يعجبه الآخرون فيقع البغض والكره فيما بينهم .
( فإذا كان ذلك كان الولد غيظا ) . فإذا كان ذلك الزمان تبدلت المقاييس وتحطمت الموازين وتحول الولد الذي من حقه أن يكون قرة عين لوالده تحول إلى محنة يغيظ بها أباه لأنه خالفه في مسيرته ولم يكمل شوطه واكتفى بنفسه .
( والمطر قيظا ) . وهذا من خصائص ذلك الزمن النكد أن المطر الذي حقه أن ينزل في الشتاء وفي مواسم المنفعة يتحول لينزل في أيام الصيف وشدته فيفسد المزروعات ويصيبها بالتلف . . . ويمكن أن يكون المراد بهذا الكلام أن يحل الحر محل المطر . . . ( وتفيض اللئام فيضا ) . تكثر اللئام لأن الزمان سيئ فاسد فيكثر من هم على شاكلته .
( وتغيض الكرام غيضا ) . تذهب الكرام وتقل لأن أجواء الفساد ستفسد الناس وتغريهم وتخرجهم عن دينهم فيقل الكرام في مقابل كثرة اللئام .
( وكان أهل ذلك الزمان ذئابا وسلاطينه سباعا وأوساطه أكالا وفقراؤه أمواتا ) . في الزمن الفاسد يتحول الحاكم الظالم إلى سبع مفترس يبحث عن فريسته ويطاردها بمجرد أن يراها لا يرحم ضعفها ولا استعطافها قد انتزعت الشفقة منه وفقدت الرحمة من قلبه وتحول من حول هذا الحاكم الظالم إلى ذئاب همها أن تفترس من سواها وتنتزع اللقمة من فم غيرها .
ويتحول أوساط الناس إلى لقمة سائغة يتناولها الحاكم وزبانيته ومن حوله .
وأما الفقراء فلا تبحث عنهم ولا تسأل عن شأنهم لأنك لا تسمع لهم حسا فهم أموات في أثواب الأحياء .
وهذا تسلسل طبيعي ينعكس من قمة الهرم إلى أسفله .
فإذا جار الملك على من تحت يده ومن حوله جار هؤلاء على من دونهم وأكلوا ما تحت أيديهم وعندها يموت الفقراء ويفقدون الحياة . . . ( وغار الصدق ) . ذهب الصدق مع أيام العدل فلا تجد له أثرا يظهر في الناس .
شرح نهج البلاغة — صفحة 221
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٢١