الأولى : إنهم يصبحون شعثا غبرا معناه لا يعيرون الدنيا أهمية ولا يعطونها وقتا بل استغرقوا في طاعة اللّه فشغلهم ذلك عن الاهتمام بزينتهم وجمالهم . الثانية : إنهم باتوا في صلاة طيلة ليلهم سجدا للهّ وقياما في طاعته كما قال تعالى : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً . . . . الثالثة : إنهم يراوحون بين جباههم وخدودهم فتارة يتذللون بالخضوع للهّ بالسجود على جباههم وتارة أخرى يتذللون له بوضع خدودهم على الأرض يرغمون أنفسهم على طاعة اللّه . . . ( ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ) . هذه رابعة الصفات وأنهم أمام ذكر يوم الحساب والوقوف بين يدي اللّه والعودة إليه كالواقفين على الجمر لا استقرار لهم ولا هدوء بل هم في همّ وغم وخوف وعذاب كما قال عليه السلام في خطبة المتقين : « فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار فيها كمن قد رآها فهم فيها معذبون . . . » . ( كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ) . وهذه خامسة الصفات إنها صفة ظاهرة تحكي عن داخل مطيع للهّ إن بين أعينهم كركب المعزى من حيث اسودادها وكثرة السجود عليها وقد نقلت لنا كتب السير أن الإمام زين العابدين كانت جبهته الشريفة كثفنة البعير لطول سجوده وقد وصف اللّه أصحاب النبي بقوله تعالى : ( 1 ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ معَهَُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ . . . . ( إذا ذكر اللّه هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ) . وهذه سادسة الصفات إنها صفة الرقة في القلب أمام اللّه . وإن هذا القلب إذا التفت إلى اللّه وذكّر به انعكس ذلك ترجمة عملية لم يتمالك هذا الإنسان من ضبط دموعه ومنعها عن السقوط بل تتساقط لتبل جيوبهم أي ثيابهم . . . ( ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب ) . اضطربت قلوبهم بشدة خوفا من عقاب اللّه كما أنها تضطرب من شدة الفرح والسرور وهكذا المؤمن يعيش بين الرجاء والخوف يهزه كل منهما خوفا وشوقا .
شرح نهج البلاغة — صفحة 150
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٥٠
هامش
( 1 ) سورة الفتح آية - 29 .