فعند ما بعث اللّه نبيه محمدا إلى الناس كانوا في انحراف وتيه لا يهتدون السبيل ولا يدركون ما ينفع مما يضر يجمعون البدع ويلمون الرذائل ولا يتورعون عن معصية أو إثم ، كانوا يجمعون ما يصل إليهم من أقوال وأفعال دون أن يعرفوا النافع من الضار والصحيح من السقيم والحق من الباطل .
( قد استهوتهم الأهواء واستزلتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء ) . هذه بعض أعمالهم ونبذة من تصرفاتهم لقد جذبتهم الأهواء إليها فكل يمشي على مقتضى هواه وما يرغب فيه وإن كان فيه فساد الأوضاع واضطراب الأحوال ، جذبتهم أهواؤهم إلى الرذيلة وشدتهم إلى المعصية .
وأما كبرياؤهم فقد قادتهم إلى الانحراف والخطأ فكان أحدهم من أجل ناقة يضرمها حربا شعواء تأكل الأخضر واليابس تمشيا منه مع كبريائه واستعظامه لنفسه .
وأما الجاهلية المظلمة القاتمة فقد أخذتهم إلى حيث لا يجوز من الغارات والفساد والظلم والاعتداء ، لقد أخذت عقولهم وأضعفتها عن إدراك منافعهم وما يفيدهم . . . ( حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل ) . وهذه أيضا بعض خصالهم وما كانوا عليه ، إنهم كانوا في حيرة واضطراب من شؤونهم لا يملكون رؤية واضحة يهتدون بها إلى الحق وإلى ما يصلحهم ويفيدهم .
وأما الجهل فهو سبب بلائهم ومصائبهم لأن الأمة الواعية المتعلمة المثقفة تستطيع بما عندها من رصيد علمي أن تتلافى أخطاءها وتقف على مصالحها وما ينفعها والعرب كانوا في جهل وعمى . . . ( فبالغ صلى اللّه عليه وآله في النصيحة ومضى على الطريقة ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة ) . جهد بكل طاقاته ليوفر للأمة ما يرشدها ويصلحها وينفعها وبذل ما في وسعه حتى لم يعذّب نبي كما عذّب من أجلهم ومن أجل هدايتهم وقد ذهب إلى ربه على ما شرّع وبيّن وعلى ما سنّ للناس فكل حق أمر به كان ينفذه على نفسه وكل باطل نهى عنه كان أول من يبعد عنه ، لم يخالف عمله ما شرعّه وسنه ونطق به وقاله . . . ودعا إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمره اللّه حيث خاطبه قائلا : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سبَيِلهِِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وقد كان النبي بحكمته وحسن موعظته دافعا للناس إلى دخولهم في دين اللّه والالتزام بشرع اللّه .
شرح نهج البلاغة — صفحة 136
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٣٦