تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣

يختلج في كل نفس عازمة على أمر ويعلم ما على الأرض مما تحمل الأشجار من ثمر على اختلاف أصنافه وأنواعه وألوانه ويعلم بكل ورقة تسقط ومتى تسقط وكيف تسقط وأين تسقط . . . ( أو قرارة نطفة أو نقاعة دم ومضغة أو ناشئة خلق وسلالة ) . يعلم أين تستقر النطف وهي مني الرجال الذي يتكون منه الولد يعلم في أي رحم كما يعلم بكل نقطة من حيض يجتمع في مكانه ويعلم بكل قطعة لحم بقدر ما يمضغ ولعله إشارة إلى تكوّن الإنسان وإنه في أحد مراحل حياته وهو جنين يمر عليه أن يكون مضغة وذلك بقرينة السياق . كما أنه يعلم ما يتكون منه صورة بشرية وتتوقف عنده ويعلم ما يكون من الأولاد والذرية . . . ( لم يلحقه في ذلك كلفة ولا اعترضته في حفظ ما ابتدع من خلقه عارضة ) . نزه اللّه أن يلحقه ما يلحق المخلوقين من المشقة والتعب إذا أرادوا أن يعلموا أمرا أو يصفوه كما أنه سبحانه لا يقف في طريق حفظ مخلوقاته وصيانتهم أي عقبة أو مانع بل يعلم كل شيء ويحفظ كل ما خلق . . . ( ولا اعتورته في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة ) . وهذا أيضا من جملة تنزيه اللّه عن شبه المخلوقين وهو أنه لا يعتريه في اتمام ما أراد من الأشياء وتنفيذه أو إصلاح المخلوقين وتدبير شؤونهم ضجر أو سآمة ولا ملل أو انكسار . ( بل نفذهم علمه وأحصاهم عدده ووسعهم عدله وغمرهم فضله مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله ) . علم اللّه أحاط بمخلوقاته وعرف سبحانه كل فرد بخصوصياته وما يعمل كما أنه عرف عددهم بدقة وأحصاهم كما قال تعالى : ( 1 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وعدله قد شمل الجميع بحيث لا يظلم أحدا بل كل وما يستحق وأما فضله فقد عم الجميع وشملهم فهو سبحانه أخرجهم من زاوية العدم إلى الوجود وأفاض عليهم كل موجود من أصغر الأمور وأحقرها إلى أجلها وأعظمها . . . مع أنهم لا يدركون حقيقة ما يستحق من الشكر وما ينبغي لجلال وجهه وكريم فعله . . . فهو يعطي ويتفضل وإن كنا في جهلنا نعيش ونتنكر . . .

هامش
( 1 ) سورة مريم آية - 94 .