هذه الأعمار الفتية القوية الشابة التي تمتلئ نضارة وبهجة وقد شبه ذلك بالحبال القوية المفتولة على أكثر من طاق بحيث يظن الإنسان عدم إمكان قطعها ولكن الموت يقطع أعمار الشباب والفتيان مهما كانوا أقوياء . . . ( عالم السر من ضمائر المضمرين ) . أشار عليه السلام إلى علم اللّه بالجزئيات وقد أحسن ابن أبي الحديد عند ذكر هذا الفصل فأثنى عليه بقوله : لو سمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن جريح لإسماعيل بن بلبل :
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم * كلا ولكن لعمري منه شيبان
وكم أب قد علا بابن ذرا شرف * كما علا برسول اللّه عدنان
إذا كان يفخر به على عدنان وقحطان بل كان يقربه عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن ويقول له : إنه لم يعف ما شيّدت من معالم التوحيد بل أخرج اللّه تعالى لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهلية النبط ، بل لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات لخشع قلبه ووقف شعره واضطرب فكره ألا ترى ما عليه من الرواء والمهابة والعظمة والفخامة والمتانة والجزالة مع ما قد أشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة لا أرى كلاما يشبه هذا إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه فإن هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة وجدول من ذلك البحر وجذوة من تلك النار وكأنه شرح قوله تعالى : وَعنِدْهَُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ انتهى كلامه . . . ( ونجوى المتخافتين ) . وإذا كان سبحانه يعلم السر وأخفى فهو يعلم بطريق أولى ما يدور بين إنسان وآخر قال تعالى : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلّا هُوَ مَعَهُمْ فاللهّ مع كل اثنين يتخافتان في حديثهما ويتساران به . . . ( وخواطر رجم الظنون ) . يعلم سبحانه ما يسبق إلى خواطر هذا الإنسان من الظنون التي لا دليل عليها .
( وعقد عزيمات اليقين ) . ويعلم سبحانه ما تعقد عليه ضميرك ولا تتردد فيه .
( ومسارق إيماض الجفون ) . يعلم ما يسرقه البصر خفية وحين تكون الناس في