تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها ) . جعل لكل نفس قدرا معينا من الرزق فوسّع على بعضها وضيّق على أخرى وأغنى بعض الأفراد وأفقر آخرين وقد جعل ذلك حكما عدلا وعلى مقتضى الحكمة يبتلي بذلك أصحاب الغنى وأصحاب الفقر ويختبرهم ليجد صبر الفقراء وشكر الأغنياء وقد أثبتت التجارب أن فتنة المال من أعظم الفتن وقد قال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رآَهُ اسْتَغْنى فمع الغنى يأتي الطغيان والظلم وتجاوز الحدود المشروعة وإن شئت الحقيقة فأضرب بطرفك نحو طبقة الأغنياء لتجد الانحراف والظلم وتسخير المال من أجل إضلال الناس والانحلال . . . ( ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها وبسلامتها طوارق آفاتها وبفرج أفراحها غصص أتراحها ) . وهذه من حكمة اللّه وتقديره ينبه الإنسان من خلالها ويرده إلى حجمه لئلا يكفر أو يظلم إنه قرن الأمور بأضدادها وجمعها مع ما يخالفها . . . قرن بين السعة في المال وبين الحاجة والفقر فبينما ترى الإنسان موسعا عليه في بحبوحة من العيش إذ به يقع في ضيق ويتحول إلى أفقر الفقراء ويحكي لنا التاريخ عن ملوك أصبحوا من الفقر يستجدون القليل . . . وكذلك اقترنت سلامتها بطوارق آفاتها فبينما الإنسان سليما صحيحا معافي في بدنه إذ تهجم عليه المصائب والعلل على حين غرة وقد قيل :
يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
وتقترن أيضا مسراتها بأحزانها في وقت الأفراح قد تأتي الأحزان . . . ( وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها ووصل بالموت أسبابها وجعله خالجا لاشطانها وقاطعا لمرائر أقرانها ) . فهو الذي خلق الأعمار وقدرها فجعل بعضها طويلا بحيث يعّمر الإنسان عمرا طويلا وبعضها يجعله قصيرا فيموت صاحبه في عمر الشباب . كما قدم أعمار بعض الناس كمن تقدم علينا من الأفراد والشعوب وأخّر أخرى كما هو واقعنا نسبة إلى من تقدمنا . ثم بين أن هذه الأعمار موصولة بأسباب الموت من القتل والوفاة والمرض وغيرها . وشبه الأعمار بالجبال الطويلة وجعل الموت جاذبا لها نحوه ومقربها منه إنه يقطع
شرح نهج البلاغة — صفحة 109 | السيد عباس علي الموسوي