تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
أخرج به من هوامد الأرض النبات ومن زعر الجبال الأعشاب ) . فلما ألقت الغيوم بصدرها شبهها بالجمل المثقل المتعب فقد ألقت بصدرها ورمت بحملها المحمول عليها الذي أتعبها وأثقلها أخرج عندها بما ألقت ما كان هامدا ساكنا من نبات الأرض وكسى عرى الجبال بالأعشاب كما قال تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . ( فهي تبهج بزينة رياضها وتزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها وحلية ما سمطت به من ناضر أنوارها ) . فهي فرحة تضحك بما تزينت به حدائقها وتتكبر بما ألبسته وما انتظم فيها من أزهارها وما اشتملت عليه نضرة ورودها وأزهارها . . . وبعبارة موجزة لبست الأرض حلية جديدة تحكي عزها وتفخر بما أنعم اللّه به عليها . ( وجعل ذلك بلاغا للأنام ورزقا للأنعام ) . وهذه غاية الكون حيث جعله اللّه مستمرا لمصلحة هذا الإنسان ولبلوغ ما يريد به فهي وسيلة يبلغ المرء بها مراده ورزقا للحيوان يعيش بما تنبت الأرض وتخرجه . . . قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ . ( وخرق الفجاج في آفاقها وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها ) . وهذه منة من منن اللّه وفضل منه أنه شق الطرق الواسعة في هذه الجبال كي يتيسر لهذا الإنسان اجتيازها بدون صعوبة كما أنه سبحانه أقام دلائل وعلامات لهذه الطرق كي يمشي فيها الإنسان بدون أن يضل والعلامات إما النجوم أو الجبال فهو سبحانه مهّد الطريق ودل عليه بالعلامات الواضحة قال تعالى : وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . ( فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيرة من خلقه وجعله أول جبلته وأسكنه جنته وأرغد فيها أكله وأوعز إليه فيما نهاه عنه وأعلمه أن في الإقدام عليه التعرض لمعصيته ) . ذكر عليه السلام أن اللّه عندما سوى الأرض وجعلها صالحة لإقامة الحياة فيها والراحة عليها تحقق ما أراد ووجد مراده فاختار آدم عليه السلام من بين خلقه وجعله أول مخلوق بشري ومنه تبتدأ سلسلة هذا الإنسان وأسكنه جنته كما قال تعالى : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ . وجعل عيشه واسعا طيبا كما قال تعالى : وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما . ثم كانت فترة الامتحان لآدم فتقدم إليه بالنهي عن الأكل من بعض أشجار الجنة وأعلمه أن في مخالفة هذا النهي معصية للهّ على حد « حسنات الأبرار سيئات المقربين » . قال تعالى : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما
شرح نهج البلاغة — صفحة 107 | السيد عباس علي الموسوي