لقوتها وشدتها بحيوان صايل كالفرس وأنه استطاع قائده أن يحكمه بحديدة اللجام ويوجهه بها كيف يشاء .
ونتيجة كلامه عليه السلام سكون الماء وهدؤه بعد وضع الأرض فيه . . . ( وسكنت الأرض مدحوة في لجة تياره وردّت من نخوة بأوه واعتلائه وشموخ أنفه وسمو غلوائه ) . استقرت الأرض مبسوطة في أعمق نقاط الماء وأشدها غورا فهدأ الماء واستقر وقد شبهّ الماء برجل متجبر متكبر عال تياه فيأتيه من يذله ويخزيه ويرده عن غيه وكبريائه . . . ( وكعمته على كظه جريته فهمد بعد نزقانه ولبد بعد زيفان وثباته ) . قد سدت عليه ما كان من جريانه وتحركه الثقيل البطيء الذي ينم عن قوة وجبروت أو أوقفت شدة جريانه وطول ملازمته له فسكن وهمد وأقام بعد تلك الحركات والطفرات . . . ( فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها وحمل شواهق الجبال الشمّخ البذّخ على أكتافها ) . وعندما هدأ ثوران الماء من تحت جوانبها واستقر حمل الجبال العالية العظيمة الضخمة عليها وفي أصلب مواضعها فجر اللّه الماء من أعالي جبالها . . . ( فجّر ينابيع العيون من عرانين أنوفها وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها ) . أخرج الماء من أعالي الجبال تنبيها على كمال قدرته وقوته وحكمته ووزّعها حسب المصلحة فأخذت الصحاري والفلوات منها نصيبها كما شكّلت أنهارا تجري لينتفع بها الناس .
وقد شبه الأرض برجل وشبه الجبال بأنفه وقد خرجت العيون من أعلاها . . . ( وعدّل حركاتها بالراسيات من جلاميدها وذوات الشناخيب الشم من صياخيدها ) .
فهذه الجبال الثابتة في الأرض الغائرة في أعماقها والأخرى الصلبة الشامخة برءوسها في أعلى الفضاء قد جعلت حركات الأرض متزنة ضمن نظام معتدل بحيث يكون التوازن والاعتدال وعدم الخلل والاضطراب . . . ( فسكنت من الميدان لرسوب الجبال في قطع أديمها وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها وركوبها أعناق سهول الأرضين وجراثيمها ) . هدأت الأرض واستقرت ولم تعد تضطرب في فوضى وعدم اتزان بسبب وضع هذه الجبال التي تثبتها وتمنعها عن الاضطراب فإن هذه الجبال لم تكن عشوائية الوقوع في أمكانها وإنما كانت لحكمة رفع اضطراب الأرض وهذا يستدعي أن تكون غائرة في عمق الأرض داخلة في رفق ولين إلى الأماكن المفتوحة منها معتلية فوق سهول الأرض وأصولها التي هي أعماقها .
شرح نهج البلاغة — صفحة 105
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٠٥