فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلى بَعْضِهَا ( 1 ) ، وَيَأْكُلُ عَزيزُهَا ذَليلَهَا ، وَيَقْهَرُ كَبيرُهَا صَغيرَهَا ، وَكَثيرُهَا قَليلَهَا ( 2 ) . نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ ، وَأُخْرى مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَهَا ( 3 ) عُقُولَهَا ، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا ، سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقيمُهَا ، وَلَا مُسيمٌ يُسيمُهَا . سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَريقَ الْعَمى ، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ وَ ( 4 ) مَنَارِ الْهُدى ، فَتَاهُوا في حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا في نِعْمَتِهَا ( 5 ) ، وَاتَّخَذُوهَا رَبّاً ، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا ، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا . رُوَيْداً حَتّى ( 6 ) يُسْفِرَ الظَّلَامُ ، كَأَنْ ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ( 7 ) ، قَدْ وَرَدَتِ الأَظْعَانُ ، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ . وَاعْلَمْ ، يَا بُنَيَّ ، أَنَّ مَثَلَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا ، وَالسُّمُّ النّاقِعُ في جَوْفِهَا ، يَهْوي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ ( 8 ) ، وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلِ . [ وَ ] أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ . وَاعْلَمْ ، يَا بُنَيَّ ، أَنَّ مَنْ كَانَتْ مطَيِتَّهُُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، فإَنِهَُّ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً ، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقيماً وَادِعاً . [ وَ ] إِذَا كُنْتَ في إِدْبَارٍ ، وَالْمَوْتُ في إِقْبَالٍ ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقى . أَيْ بُنَيَّ ، أَبَى اللّهُ - تَعَالى - إِلّا خَرَابَ الدُّنْيَا وَعِمَارَةَ الآخِرَةِ . ، فَإِنْ تَزْهَدْ فيمَا زَهَّدَكَ اللّهُ فيهِ ،
تمام نهج البلاغة — صفحة 962
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٩٦٢
هامش
( 1 ) - على بعض . ورد في نسخة العام 400 الموجودة في المكتبة الظاهرية ص 364 . ونسخة الصالح ص 400 .
( 2 ) ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 307 .
( 3 ) ورد في تحف العقول للحرّاني ص 57 .
( 4 ) ورد في المصدر السابق .
( 5 ) - فتنتها . ورد في كنز العمال للهندي ج 16 ص 174 .
( 6 ) ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 309 .
( 7 ) ورد في المصدر السابق .
( 8 ) - الغافل . ورد في متن مصادر نهج البلاغة للخطيب ج 4 ص 108 .