وَمَا أَعَدَّ اللّهُ ( 1 ) لأَهْلِهَا فيهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فيهِمَا الأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ ( 2 ) الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَابِهِمْ مَنْزِلٌ جَديبٌ ، فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصيباً وَجَنَاباً مَريعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّريقِ ، وَفِرَاقَ الصَّديقِ ، وَخْشُونَةَ السَّفَرِ ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً ، وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فيهِ مَغْرَماً ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ ( 3 ) . وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بَمَنْزِلٍ خَصيبٍ ، فَنَبَا بِهِمْ إِلى مَنْزِلٍ جَديبٍ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكَرْهََ إِلَيْهِمْ ، وَلَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ ، وَلَا أَهْوَلَ لَدَيْهِمْ ( 4 ) ، مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فيهِ إِلى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ وَيَصيرُونَ إلِيَهِْ . ثُمَّ قَرَعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالَاتِ لِئَلّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً ، فَإِنْ وَرَدَ عَلَيْكَ شَيْءٌ تعَرْفِهُُ أَكْبَرْتَ ذَلِكَ . فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فيمَا لَا يَعْلَمُ قَليلٌ ، فَعَدَّ نفَسْهَُ بِذَلِكَ جَاهِلًا ، فَازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ في طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً ، فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً ، وَفيهِ رَاغِباً ، وَلَهُ مُسْتَفيداً ، وَلأهَلْهِِ خَاشِعاً ، وَلرِأَيْهِِ مُتَّهِماً ، وَلِلصَّمْتِ لَازِماً ، وَلِلْخَطَأِ حَاذِراً ، وَمِنْهُ مُسْتَحْيِياً . وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ، لِمَا قَرَّرَ بِهِ نفَسْهَُ مِنَ الْجَهَالَةِ . وَإِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَدَّ نفَسْهَُ لِمَا جَهِلَ مِنْ معَرْفِتَهِِ لِلْعِلْمِ عَالِماً ، وَبرِأَيْهِِ مُكْتَفِياً ، فَمَا يَزَالُ لِلْعُلَمَاءِ مُبَاعِداً ( 5 ) ، وَعَلَيْهِمْ زَارِياً ، وَلِمَنْ خاَلفَهَُ مُخَطِّئاً ، وَلِمَا لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الأُمُورِ مُضَلِّلًا . فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ مَا لَا يعَرْفِهُُ أنَكْرَهَُ وَكَذَّبَ بِهِ ، وَقَالَ بجِهَاَلتَهِِ : مَا أَعْرِفُ هذَا . وَمَا أرَاَهُ كَانَ . وَمَا أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ . وَأَنّى كَانَ . وَذَلِكَ لثِقِتَهِِ برِأَيْهِِ ، وَقِلَّةِ معَرْفِتَهِِ بجَهَاَلتَهِِ . فَمَا يَنْفَكُّ بِمَا يَرى مِمّا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ برِأَيْهِِ ( 6 ) مِمّا لَا يَعْرِفُ لِلْجَهْلِ مُسْتَفيداً ، وَلِلْحَقِّ مُنْكِراً ، وَفِي الْجَهَالَةِ مُتَحَيِّراً ، وَفِي اللَّجَاجَةِ مُتَجَرِّئاً ، وَعَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَكْبِراً ( 7 ) .
تمام نهج البلاغة — صفحة 955
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٩٥٥
هامش
( 1 ) ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 295 .
( 2 ) - أبصر . ورد في المصدر السابق . وتحف العقول للحرّاني ص 55 .
( 3 ) - محلّتهم . ورد في نسخة الأسترآبادي ص 422 . ونسخة الصالح ص 397 .
( 4 ) ورد في تحف العقول للحرّاني ص 55 . ونهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 297 .
( 5 ) - معاندا . ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 298 .
( 6 ) - رأيه . ورد في المصدر السابق .
( 7 ) ورد في المصدر السابق . وتحف العقول للحرّاني ص 55 . باختلاف يسير .