ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النّاسُ فيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ ، عَلى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبيهِكَ لَهُ ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فيهِ مِنَ الْهَلَكَةِ ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللّهُ فيهِ لِرُشْدِكَ ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتي هذهِِ . وَاعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ ( 1 ) ، يَا بُنَيَّ ، أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتي تَقْوَى اللّهِ ، وَالِاقْتِصَارُ عَلى مَا فرَضَهَُ ( 2 ) اللّهُ عَلَيْكَ ، وَالأَخْذُ بِمَا مَضى عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ، وَالصّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظُرُوا لأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا ، وَالإِمْسَاكِ عَمّا لَمْ يُكَلَّفُوا . فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا كَانُوا عَلِمُوا ، فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَتَعَلُّمٍ ، لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ ، وَعُلَقِ ( 3 ) الْخُصُومَاتِ . وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ في ذلِكَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ ، وَالرَّغْبَةِ إلِيَهِْ في تَوْفيقِكَ ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ في شُبْهَةٍ ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلى ضَلَالَةٍ . فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ ، وَكَانَ هَمُّكَ في ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً ، فَانْظُرْ فيمَا فَسَّرْتُ لَكَ ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ رَأْيُكَ عَلى ( 4 ) مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ ، وَتَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ . وَلَيْسَ طَالِبُ الدّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، وَالإِمْسَاكُ عَنْ ( 5 ) ذَلِكَ أَمْثَلُ . فَتَفَهَّمْ ، يَا بُنَيَّ ، وَصِيَّتي ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُميتُ ، وَأَنَّ الْمُفْني هُوَ الْمُعيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلي هُوَ الْمُعَافي ، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلّا عَلى مَا جَعَلَهَا ( 6 ) اللّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالى - ( 7 ) عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالِابْتِلَاءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ ، أَوْ مَا شَاءَ مِمّا لَا نَعْلَمُ . فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فاَحمْلِهُْ عَلى جَهَالَتِكَ بِهِ ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلًا ثُمَّ
تمام نهج البلاغة — صفحة 953
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٩٥٣
هامش
( 1 ) ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 292 .
( 2 ) - افترض . ورد في نسخة العام 400 ص 357 .
( 3 ) - غلوّ . ورد في نسخة الآملي ص 257 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 303 . ونسخة الأسترآبادي ص 419 . ونسخة العطاردي ص 338 .
( 4 ) ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 293 .
( 5 ) - عند . ورد في المصدر السابق .
( 6 ) - خلقها . ورد في المصدر السابق ص 295 . وتحف العقول للحرّاني ص 54 .
( 7 ) ورد في تحف العقول للحرّاني ص 54 . وهامش نهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 293 .