بِسُوءِ رَأْيِكَ . وَكِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يهَدْيهِ ، وَلَا قَائِدٌ يرُشْدِهُُ ، قَدْ دعَاَهُ الْهَوى فأَجَاَبهَُ ، وَقاَدهَُ الضَّلَالُ فاَتبَّعَهَُ ، فَهَجَرَ لَاغِطاً ، وَضَلَّ خَابِطاً . فَأَمّا أَمْرُكَ لي بِالتَّقْوى ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَأَسْتَعيذُ باِللهِّ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذينَ إِذَا أُمِرُوا بِهَا أَخَذَتْهُمُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ . وَلَوْ لَا عِلْمي بِكَ ، وَمَا قَدْ سَبَقَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فيكَ مِمّا لَا مَرَدَّ لَهُ دُونَ نفَاَذهِِ ، إِذاً لَوَعَظْتُكَ . وَلكِنَّ عِظَتي لَا تَنْفَعُ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ، وَلَمْ يَخَفِ الْعِقَابَ ، وَلَمْ يَرْجُ للهِّ وَقَاراً ، وَلَمْ يَخَفْ لَهُ حَذَاراً . وَأَمّا تَحْذيرُكَ إِيّايَ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلي وَسَابِقَتي فِي الإِسْلَامِ ، فَلَعَمْري لَوْ كُنْتُ الْبَاغي عَلَيْكَ لَكَانَ لَكَ أَنْ تُحَذِّرَني ذَلِكَ ، وَلكِنّي وَجَدْتُ اللّهَ - تَعَالى - يَقُولُ : فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ ( 1 ) . فَنَظَرْنَا إِلَى الْفِئَتَيْنِ ، أَمّا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَوَجَدْنَاهَا الْفِئَةَ الَّتي أَنْتَ فيهَا ، لأَنَّ بَيْعَتي بِالْمَدينَةِ لَزِمَتْكَ وَأَنْتَ بِالشّامِ ، كَمَا لَزِمَتْكَ بَيْعَةُ عُثْمَانَ بِالْمَدينَةِ وَأَنْتَ أَميرٌ لِعُمَرَ عَلَى الشّامِ ، وَكَمَا لَزِمَتْ يَزيدَ أَخَاكَ بَيْعَةُ عُمَرَ وَهُوَ أَميرٌ لأَبي بَكْرٍ عَلَى الشّامِ . وَأَمّا شَقُّ عَصَا هذهِِ الأُمَّةِ ، فَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَنْهَاكَ عنَهُْ . وَأَمّا تَخْويفُكَ لي مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْبَغْي ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَمَرَني بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ ، وَقَالَ لأصَحْاَبهِِ : إِنَّ فيكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلى تَأْويلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلى تنَزْيلهِِ ، وَأَشَارَ إِلَيَّ . وَأَنَا أَوْلى مَنِ اتَّبَعَ أمَرْهَُ . وَزَعَمْتَ أنَهَُّ إِنَّمَا أَفْسَدَ عَلَيْكَ بَيْعَتي خُفُوري ( 2 ) في عُثْمَانَ ، وَلَعَمْري مَا كُنْتُ إِلّا رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرينَ ، أَوْرَدْتُ كَمَا أَوْرَدُوا ، وَأَصْدَرْتُ كَمَا أَصْدَرُوا ، وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَجْمَعَهُمْ عَلى ضَلَالٍ ، وَلَا لِيَضْرِبَهُمْ بِالْعَمى . وَمَا أَمَرْتُ فَتَلْزَمَني خَطيئَةُ الأَمْرِ ، وَلَا قَتَلْتُ فَيَجِبَ عَلَيَّ قِصَاصُ ( 3 ) الْقَاتِلِ .
تمام نهج البلاغة — صفحة 844
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٨٤٤
هامش
( 1 ) الحجرات ، 9 .
( 2 ) - خطيئتي . ورد في كتاب الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 534 .
( 3 ) - فأخاف على نفسي قصاص . ورد في العقد الفريد ج 5 ص 81 . ونهج السعادة للمحمودي ج 4 ص 93 .