أَمّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللّهَ بمِنَهِِّ وَفضَلْهِِ وَحُسْنِ بلَاَئهِِ عِنْدي وَعِنْدَكُمْ حَكَمٌ عَدْلٌ ، لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دوُنهِِ مِنْ والٍ ( 1 ) . ثُمَّ إِنّي أُخْبِرُكُمْ عَنّا وَعَمَّنْ سِرْنَا إِلَيْهِمْ مِنْ جَمْعِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بَعْدَ نَكْثِهِمَا ، عَلى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ ، مِنْ صَفْقَةِ أَيْمَانِهِمَا وَهُمَا طَائِعَانِ غَيْرُ مُكْرَهَيْنِ ، وَتَنَكُّبِهِمَا عَنِ الْحَقِّ . فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَدينَةِ بِمَنْ خَرَجْتُ ، مِمَّنْ سَارَعَ إِلى بَيْعَتي وَإِلَى الْحَقِّ [ مِنَ ] الْمُهَاجِرينَ وَالأَنْصَارِ ، حَتّى أَتَيْنَا « ذَا قَارٍ » . فَبَعَثْتُ ابْنِيَ الْحَسَنَ ، وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبّاسٍ ابْنَ عَمّي ، وَعَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ ، وَقَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَاسْتَنْفَرْتُكُمْ لِحَقِّ اللّهِ وَحَقِّ رسَوُلهِِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَحَقِّنَا . فَأَجَابَني إِخْوَانُكُمْ سُرَّعاً حَتّى قَدِمُوا عَلَيَّ ، فَسِرْتُ بِهِمْ وَبِالْمُسَارَعَةِ إِلى طَاعَةِ اللّهِ حَتّى نَزَلْتُ ظَهْرَ الْبَصْرَةِ . وَقَدِمَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ الْبَصْرَةَ ، وَصَنَعَا بِعَامِلي عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مَا صَنَعَا ، فَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ ، وَأَعْذَرْتُ كُلَّ الِاعْذَارِ ، وَأَقَمْتُ الْحُجَّةَ ، وَأَقَلْتُ الْعَثْرَةَ وَالزَّلَّةَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَاسْتَتَبْتُهُمْ مِنْ نَكْثِهِمْ بَيْعَتي وَعَهْدِ اللّهِ لي عَلَيْهِمْ ، وَنَاشَدْتُهُمْ عَقْدَ بَيْعَتِهِمْ . فَأَبَوْا إِلّا قِتَالي وَقِتَالَ مَنْ مَعِيَ ، وَالتَّمَادِيَ فِي الْغَيِّ . فَلَقينَا الْقَوْمَ النّاكِثينَ لِبَيْعَتِنَا ، الْمُفَرِّقينَ لِجَمَاعَتِنَا ، الْبَاغينَ عَلَيْنَا مِنْ أُمَّتِنَا ، فَلَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنْ مُنَاصَفَتِهِمْ لي ، فَاسْتَعَنْتُ اللّهَ عَلَيْهِمْ ، وَنَاهَضْتُهُمْ بِالْجِهَادِ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ بِالْخُرَيْبَةِ فِنَاءٍ مِنْ أَفْنِيَةِ الْبَصْرَةِ ، فَقَتَلَ اللّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ نَاكِثاً ، وَنَصَرَنَا اللّهُ عَلَيْهِمْ . وَقُتِلَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلى نَكْثِهِمَا وَشِقَاقِهِمَا . وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمَا بِالْمَعْذِرَةِ ، وَأَبْلَغْتُ إِلَيْهِمَا بِالنَّصيحَةِ ، وَأَشْهَدْتُ عَلَيْهِمَا صُلَحَاءَ الأُمَّةِ ، وَمَكَّنْتُهُمَا فِي الْبَيْعَةِ ، فَمَا أَطَاعَا الْمُرْشِدينَ ، وَلَا أَجَابَا النّاصِحينَ . وَلَاذَ أَهْلُ الْبَغْي بِعَائِشَةَ ، فَقُتِلَ حَوْلَهَا عَالَمٌ جَمٌّ لَا يُحْصي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللّهُ . ثُمَّ ضَرَبَ اللّهُ وجَهَْ بَقِيَّتِهِمْ فَأَدْبَرُوا ، وَوَلّى مَنْ وَلّى إِلى مصِرْهِِ . فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أَشْأَمَ مِنْ نَاقَةِ الْحِجْرِ عَلى أَهْلِ ذَلِكَ الْمِصْرِ ، مَعَ مَا جَاءَتْ بِهِ مِنَ الْحُوبِ الْكَبيرِ في مَعْصِيَتِهَا لِرَبِّهَا وَنبَيِهِِّ ، مِنَ الْحَرْبِ ، وَاغْتِرَارِ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا ، وَمَا صنَعَتَهُْ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنينَ ، وَسَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمينَ ، بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا مَعْذِرَةٍ وَلَا حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ لَهَا .
تمام نهج البلاغة — صفحة 789
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٧٨٩
هامش
( 1 ) الرعد ، 11 .