بآيات في الوعد والوعيد ، فاخذ على ما وجد عليه إلى المتوكّل ، وكان يشرب وفي يده كأس فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، وقالوا له لم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه ، فناوله المتوكّل الكأس الذي في يده ، فقال عليه السّلام له : ما خامر لحمي ودمي قطّ فقال : أنشدني شعرا استحسنه فقال عليه السّلام : إنّي قليل الرواية للأشعار ، فقال لابدّ فأنشده :
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم * غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرّة والتّيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعّمة * من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم * تلك الوجوه عليها الدّود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
فأشفق الحاضرون عليه عليه السّلام من المتوكّل ، وو اللّه لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتّى بلّلت دموعه لحيته ، وبكى من حضره ، وأمر برفع الشّراب وردهّ مكرّما ( 1 ) . وفي ( الكافي ) عن أبي بصير ، قال : شكوت إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام الوسواس ، فقال : يا أبا محمّد اذكر تقطّع أوصالك في قبرك ورجوع أحبابك عنك إذا دفنوك في حفرتك ، وخروج بنات الماء من منخريك ، وأكل الدّود لحمك ، فإنّ ذلك يسلّي عنك ما أنت فيه ، قال أبو بصير : ما ذكرته إلّا سلا عنّي ما أنا فيه من همّ الدّنيا ( 2 ) . « فكيف بكم إذا تناهت بكم الأمور وبعثرت القبور » يعني ما شرحت حال
هامش
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 11 .
( 2 ) الكافي 3 : 255 ح 20 .