أضحت منازلهم قفرا معطّلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
وفي ( الأغاني ) : عن ابن شيخة قال : كان رسمنا ألّا يحضر أحد منّا في خدمة الواثق إلّا في يوم نوبته ، وانّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي ، إذ أرسل إليّ وقد هجموا عليّ وقالوا لي : احضر ، فقلت : الخير ، قالوا : خير ، فقلت : إنّ هذا يوم لم يحضرني فيه الخليفة قطّ ، ولعلّكم غلطتم ، فقالوا : لا تطوّل وبادر ، فقد أمرنا ألّا ندعك تستقرّ على الأرض ، فداخلني فزع شديد ، وخفت أن يكون سعي بي ، فتقدّمت بما أردت ، حتّى وافيت الدّار ، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل ، فمنعت وأخذ بيدي الخدم فأدخلوني ، وعدلوا بي إلى ما لا أعرفه ، فزاد ذلك في جزعي ، ثمّ لم يزل الخدم يسلّمونني من خدم إلى خدم حتّى أفضيت إلى دار مفروشة الصّحن ملبّسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب ثمّ أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبّسة بمثل ذلك ، وإذا الواثق في صدره ، على سرير مرصّع بالجوهر ، وعليه ثياب منسوجة بالذّهب ، وإلى جانبه ( فريدة ) جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود ، فلمّا رآني قال : طلبت ثالثا يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك ، فبحياتي بادر ، فكل شيئا وبادر إلينا ، فقلت : قد أكلت وشربت ، قال : فاجلس فجلست ، فقال : هاتوا له رطلا في قدح ، فأحضرت ذلك ، واندفعت ( فريدة ) تغني :
أهابك إجلالا وما بك قدرة * عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النفس ياليل انّها * قلتك وما أن قلّ منك نصيبها
فجاءت واللّه بالسّحر وجعل الواثق يجاذبها وفي خلال ذلك تغنّي الصّوت بعد الصّوت وأغنّي أنا في خلال ذلك ، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد فإنّا لكذلك إذ رفع الواثق رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض ، وتفتّت عودها ، ومرّت تعدو وتصحيح ، وبقيت أنا