الْمُشَيَّدَةِ وَالنَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ - الصُّخُورَ وَالْأَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ وَالْقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ - الَّتِي قَدْ بُنِيَ بِالْخَرَابِ فِنَاؤُهَا - وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ - بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ وَأَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ - لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ - عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ وَدُنُوِّ الدَّارِ - وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ وَقَدْ طَحَنَهُمْ بكِلَكْلَهِِ الْبِلَى - وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى - وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إلِيَهِْ - وَارْتَهَنَكُمْ ذَلِكَ الْمَضْجَعُ وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ - فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ - وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ - وَرُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ - وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أقول : رواها ابن الجوزي في ( مناقبه ) جزء الخطبة المعروفة بالبالغة ، كما نقل عنه المجلسي هكذا : فانّها دار بالبلاء محفوفة ، وبالعناء والغدر موصوفة ، وكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها منها في رخاء وسرور ، إذا هم في بلاء وغرور ، العيش فيها مذموم ، والرّخاء فيها لا يدوم ، أهلها فيها أغراض مستهدفة ، كلّ حتفه فيها مقدور ، وحظهّ من نوائبها موفور ، وأنتم - عباد اللّه - على محجّة من قد مضى ، وسبيل من كان ثمّ انقضى ، ممّن كان منكم أطول أعمارا ، وأشدّ بطشا وأعمر ديارا ، أصبحت أجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، واستبدلوا بالقصور المشيّدة والنمارق الموسّدة ، بطون اللّحود ، ومجاورة الدّود ، في دار ساكنها مغترب ، ومحلّها مقترب ، بين قوم مستوحشين ، متجاورين غير متزاورين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنّو الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل ، وقد طحنتهم البلى ، وأظلّتهم الجنادل والثرى ، فأصبحوا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 543
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٤٣