تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥

عَنْ سبَيِلهِِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 1 ) . « واحذّركم الدّنيا » فانّها عدوّة غرّارة . « فانّها دار شخوص » من قولهم ( شخص من البلد ) . « ومحلّة تنغيص ، من ( عيش منغّص ) : مكدّر ، ومن شواهده ما في ( الكامل ) في حوادث ( 612 ) : في هذه السنة أرسل أوزبك رأس ( منكلي ) صاحب همدان وأصفهان والرّي وما بينهما من البلاد إلى بغداد ، وكان يوم دخولها يوما مشهورا إلّا أنهّ لم تتمّ المسرّة للخليفة بذلك ، فإنهّ وصل ، ومات ولده في تلك الحال فأعيد ودفن ، وكان الخليفة رشّح ولده للخلافة ، فأصابه إسهال ، فتوفّي وحزن أبوه عليه حزنا لم يسمع بمثله ، حتّى أنهّ أرسل إلى أصحاب الأطراف ينهاهم عن إنفاذ رسول إليه يعزيّه بولده ، ولم يقرأ كتابا ، ولا سمع رسالة ، وانقطع وخلا بهمومه ورئي عليه من الحزن والجزع ما لم يسمع بمثله ، ولمّا توفّي اخرج نهارا ، ومشى جميع النّاس بين يدي تابوته إلى تربة جدتّه عند قبر معروف الكرخي ، ولمّا ادخل التابوت أغلقت الباب ، وسمع الصّراخ العظيم من داخل التربة ، فقيل : إنّ ذلك صوت الخليفة وأمّا العامّة ببغداد فإنّهم وجدوا عليه وجدا شديدا ، ودامت المناحاة عليه ليلا ونهارا في أقطار بغداد ولم تبق محلّة إلّا وفيها النّوح ، وما سمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان وحديثه ( 2 ) . وهذا دأب الدّنيا أبدا . « ساكنها ظاعن » أي : سائر ، الناس كركب يسار بهم وهم نيام . « وقاطنها بائن » أي : مقيمها مفارق ، قال عنترة :

هامش
( 1 ) الأنعام : 152 - 153 .
( 2 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير 12 : 307 - 308 .