السياسة ، كثير الإصابة ، شديد الهيبة ، بعيد الهمّة ، ثاقب الرأي ، محبّا للفضائل وأهلها ، باذلا في مواضع العطاء ، مانعا في أماكن الحزم ، ناظرا في عواقب الأمور ، فقصده العلماء من كلّ بلد وصنّفوا له الكتب ، ومنها الايضاح في النحو ، والحجّة في القراءات ، والملكي في الطب ، والتاجي في التاريخ وغيرها ، وعمل المصالح كالبيمارستانات والقناطر ، وبنى سورا على المدينة - بلغ خبره بعض العلماء وعنده جماعة من أعيان الفضلاء ، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء عند موت الإسكندر ، فقال بعضهم : لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤثر عليكم - . فقال أحدهم : قد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها ، وأعطاها فوق قيمتها ، وطلب الربح فيها ، فخسر روحه فيها .
وقال الثاني : من استيقظ للدنيا فهذا نومه ، ومن حلم فيها فهذا انتباهه .
وقال الثالث : ما رأيت عاقلا في عقله ، ولا غافلا في غفلته مثله ، لقد كان ينقض جانبا وهو يظن أنهّ مبرم ، ويغرم وهو يظن أنهّ غانم .
وقال الرابع : من جدّ للدنيا هزلت به ، ومن هزل راغبا عنها جدت له .
وقال الخامس : ترك هذه الدنيا شاغرة ، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة .
وقال السادس : إنّ ماء اطفأ هذه النار لعظيم ، وإنّ ريحا زعرت هذا الركن لعصوف .
وقال السابع : إنّما سلبك من قدر عليك .
وقال الثامن : أما لو كان معتبرا في حياته لمّا صار عبرة في مماته .
وقال التاسع : الصاعد في درجات الدنيا إلى استفال ، والنازل في دركاتها إلى تعال .
وقال العاشر : كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك وهلّا اتخذت دونه جنّة تقيك إنّ في ذلك لعبرة للمعتبرين .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 49
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٩