وقعت موضع الصيد في الشرك من هذا الذي قنصك ثم قام آخر ، فقال : هذا القوي الذي أصبح ضعيفا وقام آخر فقال : قد كانت سيوفك لا تجفّ ونقماتك لا تؤمن ، وكانت مدائنك لا ترام ، وكانت عطاياك لا تبرح ، وكان ضياؤك لا يكفّ فأصبح صوتك قد خمد ، ونقماتك لا تخشى وأصبحت عطاياك لا ترجى ، وأصبحت سيوفك لا تنتضى وأصبحت مدائنك لا تمنع . ثم قام آخر فقال : هذا الذي كان للملوك قاهرا فقد أصبح اليوم للسوقة مقهورا . وقام آخر فقال : قد كان صوتك مرهوبا وكان ملكك غالبا ، فأصبح الصوت قد انقطع والملك قد اتضع . وقام آخر فقال : ألا امتنعت من الموت إذ كنت من الملوك ممتنعا وهلّا ملكت عليه إذ كنت عليهم مملكا وقام آخر فقال : حرّكنا الإسكندر بسكونه وأنطقنا بصموته .
كان ملك الإسكندر اثنتي عشرة سنة ، ولمّا علم أنّ الموت نزل به كتب إلى امهّ يعزيّها عن نفسه ، وكتب في آخره : اصنعي طعاما واجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة ، ولا يأكل من طعامك من أصيب بمصيبة قط .
فعملت طعاما وجمعت النّاس ، ثم أمرتهم ألا يأكل من أصيب بمصيبة قط فلم يأكل أحد ، فعلمت ما أراد ، وحمل تابوته من العراق إلى الإسكندرية فتلقته امهّ بعظماء أهل المملكة ، فلمّا رأته قالت : يا ذا الذي بلغت السماء حكمته ، وحاز أقطار الأرض ملكه ، ودانت الملوك عنوة له ، مالك اليوم نائما لا تستيقظ ، وساكتا لا تتكلّم من يبلّغك عنّي بأنّك وعظتني فاتعظت ، وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حيّا هالكا .
وكان عظم سلطانه واعانته الحكمة والعقل والمعرفة وكان أرسطاطاليس معلمّه .
وفي ( كامل الجزري ) : لمّا مات عضد الدولة - وكان عاقلا فاضلا حسن
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 48
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٨