يأمنوا قدومهم الآخرة ، يا جابر الآخرة دار قرار والدّنيا دار فناء وزوال ، ولكن أهل الدّنيا أهل غفلة ، وإنّ المؤمنين أهل فكر وعبرة ، لم يصمّهم عن ذكر اللّه تعالى ما سمعوا بآذانهم ولم يعمهم عن ذكر اللّه ما رأوا من الزّينة بأعينهم ، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك ، واعلم ، يا جابر أنّ أهل التقوى من أيسر أهل الدّنيا مئونة ، وأكثرهم لك معونة ، تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكّروك قوّالون بأمر اللّه ، قوّامون على أمر اللّه ، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربّهم ووحشوا من الدنيا بطاعة مليكهم ، ونظروا إلى اللّه تعالى بقلوبهم ، وعلموا أنّ ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه ، فأنزل الدّنيا كمنزل نزلته ثمّ ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء ، إنّما ضربت لك هذا مثلا لأنّها عند أهل اللبّ والعلم كفيء الظّلال ( 1 ) . « ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا » من عبادة اللّه فيرون أنفسهم مقصّرين . « قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال » وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 2 ) ، فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 3 ) . « وحضرتكم كواذب الآمال » ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 4 ) . « فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة » فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 489
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٨٩
هامش
( 1 ) الكافي 3 : 199 ح 16 .
( 2 ) الحشر : 19 .
( 3 ) الأنعام : 44 .
( 4 ) الحجر : 3 .