فالمراد به أنهّ كان كذلك في الدّنيا وإنّ من تحت الأحجار كان شخصا هكذا . هذا ، وفي ( كنايات الجرجاني ) : قال بعضهم رأيت قبرين مكتوبا على أحدهما : « من رآني فلا يصغّر قدري ، أنا كنت أجلب الرّيح وافرّقها » وعلى الآخر : « كذب ابن الفاعلة إنّما كان يجمع الرّياح في الزّق ينفخ فيه » فما رأيت مشاجرة بين موتى غيرهما . قلت : إنّما كانت بينهم صورة ، وإلّا فلابدّ أنّ الأوّل وصّى بأن يكتب على قبره أو كتب بنفسه على لوح ما على الأوّل والثاني ، كذلك ما على الثاني ( 1 ) . « لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم » قال ابن أبي الحديد : قال الرضيّ رضى اللّه عنه :
متوسّدين على الخدود كأنّما * كرعوا على ظمأ من الصّهباء
صور ضنت على العيون بحسنها * أمست فوقرها من البوغاء
ونواظر كحل التّراب جفونها * قد كنت أحرسها من الأقذاء
قربت ضرائحهم على زوّارها * ونأوا عن الطّلّاب أيّ تناء
( 2 ) « استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسّعة ضيقا وبالأهل غربة وبالنور ظلمة » . روي أنّ هذه الأبيات وجدت مكتوبة على قبر سيف بن ذي يزن آخر ملوك اليمن :
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم * غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا * أين الأسرّة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت محجّبة * من دونها تضرب الأستار والكلل
هامش
( 1 ) منتخب الكنايات للجرجاني : 57 .
( 2 ) ديوان الرضي 1 : 29 - 30 .