تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠

أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة ، والممالك الداثرة ، لا يدرى ما تلك الكتابة ولا ما المراد بها ، وقد قال : من عني بتقدير ذرعها أنّ مقدار ارتفاع ذهابها في الجوّ نحو من أربعمائة ذراع ، أو أكثر ، وكلّما علا به الصّعداء دقّ ذلك ، وأنّ من تلك الكتابة : إنّا بنيناها فمن يدّعي موازاتنا في الملك ، وبلوغنا في القدرة ، وانتهاءنا من السلطان ، فليهدمها وليزل رسمها ، فانّ الهدم أيسر من البناء ، والتفريق أيسر من التأليف ، وقد ذكر أنّ بعض ملوك الإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر وغيرها لا يفي بقلعها وهي من الحجر والرّخام ( 1 ) . وفي ( الطبري ) : ( خطّ خالد بن برمك مدينة المنصور له ، وأشار بها عليه فلمّا احتاج إلى الإنقاض قال له : ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه قال : لا أرى ذلك . قال : ولم قال لأنهّ علم من علم الإسلام يستدلّ به النّاظر إليه على أنهّ لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا وإنّما هو على أمر دين ومع هذا فانّ فيه مصلّى علي بن أبي طالب عليه السلام قال : هيهات يا خالد أبيت إلّا الميل بأصحابك العجم ، وأمر أن ينقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه ، وحمل نقضه ، فنظر في مقدار ما يلزمهم النقص والحمل ، فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عمل ، فرفع ذلك إلى المنصور فدعا بخالد فأعلمه ما يلزمه ، في نقضه وحمله وقال له : ما ترى قال : قد كنت أرى قبل ألّا تفعل ، فامّا إذ فعلت فانّي أرى أن تهدم الآن حتّى تلحق بقواعده ، لئلّا يقال أنّك عجزت عن هدمه ، فأعرض المنصور عن ذلك وأمر ألا تهدم ( 2 ) .

هامش
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 1 : 400 .
( 2 ) تاريخ الطبري 6 : 264 .