وقال ابن الدهان : ما الإنسان في دنياه إلّا كبارقة تلوح ، نفسه نفس توالى ، ومدتّه مدى ، والروح ريح . وقال بعضهم : إقبال الدنيا كإلمامة ضيف ، أو سحابة صيف ، أو زيارة طيف . وفي ( الحلية ) : مات أخ لصلة بن أشيم وهو في بيته يطعم ، فجاء إليه رجل ونعاه ، فقال له : إنهّ كان نعي إلينا . فقال : ما سبقني إليك أحد ، فمن نعاه فقال : نعاه اللّه تعالى ، يقول : . . . إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 1 ) . واعلم أنّ مرمى كلامه عليه السلام - مع كونه ضرب ضربة كما قال ضاربه اللعين : لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم - : هو تنبيه الغافلين وهداية الضالين وردعهم عن محبّة الدنيا المهلكة ، كما كان عليه السلام في جميع أيام حياته في ليله ونهاره كذلك ، فيقول لهم تارة : « أنا بالأمس صاحبكم وسلطانكم ، واليوم عبرة لكم - بكونه ملقى على الأرض - وغدا مفارقكم بالرحلة عن الدنيا » . وأخرى يقول لهم : « ان تثبت الوطأة - إلى - وعفا في الأرض مخطها » فيخبرهم عن الإنسان والموت ، وأنهّ لابدّ لكلّ إنسان أن يموت ، وأنهّ لذاك السبع كالقوت ، دون أن يريد شخصه عليه السلام فهو عليه السلام ذكر حكم الكلي وذكر نفسه فردا له ، بأنهّ ان تثبت الوطأة للإنسان في مزلّة الدنيا من آفة أصابته فهو شيء يريده الإنسان ، حيث يحبّ الحياة طبعا ، وان دئ حضت قدم الإنسان ومات فلا عجب ولا غرو ولا بدع ، حيث إنّ الإنسان وما يريده من الحياة كرجل استظلّ بفيء غصن أو ظلّ غمام ، ليس ظلّهما إلّا آنات ، وكسراج في
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 42
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٢
قال :
أراها وإن كانت تحب فإنّها * سحابة صيف عن قليل تقشّع
هامش
( 1 ) الزمر : 30 .