أقول : هو جزء من خطبة قال الرّضيّ فيها : ( ومن خطبة له عليه السلام عجيبة ) وروى ( أمالي الشيخ ) صدرها ، وفي ذيلها : ( أوصيكم بتقوى اللّه فانّ التقوى أفضل كنز ، وأحرز حرز ، وأعزّ عزّ ، فيه نجاة كلّ هارب ، ودرك كلّ طالب ، وظفر كلّ غالب ، وأحثّكم على طاعة اللّه فانّها كهف العابدين ، وفوز الفائزين ، وأمان المتّقين ، واعلموا أيّها الناس إنّكم سيّارة قد حدى بكم حادي ، وناداكم للموت منادي فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرّنّكم باللهّ الغرور ، ألّا وإنّ الدّنيا دار غرّارة خدّاعة تنكح في كلّ يوم بعلا ، وتقتل في كلّ ليلة أهلا ، وتفرّق في كلّ ساعة شملا ، فكم من منافس فيها وراكن إليها من الأمم السالفة ، وقد قذفتهم في الهاوية ، ودمّرتهم تدميرا وتبّرتهم تتبيرا ، وأصلتهم سعيرا ، أين من جمع فأوعى ، وشدّ فأوكى ، ومنع فأكدى ، بل أين من عسكر العساكر ، ودسكر الدّساكر ، وركب المنابر ، أين من بنى الدّور وشرّف القصور وجمهر الألوف قد تداولتهم أيّاما وابتلعتهم أعواما فصاروا أمواتا ، وفي القبور رفاتا ، قد يأسوا ممّا خلّفوا ووقفوا على ما أسلفوا ثمّ ردّوا إلى اللّه مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ، وكأنّي بها وقد أشرفت بطلائعها ، وعسكرت بفظائعها ، فأصبح المرء بعد صحتّه مريضا ، وبعد سلامته نقيضا ، يعالج كربا ، ويقاسي تعبا ، في حشرجة السّياق ، وتتابع الفراق ، وتردّد الأنين ، والذّهول عن البنات والبنين ، والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل ، وهول هائل ، قد اعتقل منه اللّسان ، وتردّد منه البيان ، فأصاب مكروبا ، وفارق الدّنيا مسلوبا ، لا يملكون له نفعا ، ولا لما حلّ به دفعا ، يقول عزّ وجلّ في كتابه : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 1 ) ثمّ من دون ذلك أهوال يوم القيامة ، ويوم الحسرة والنّدامة ، يوم تنصب الموازين ، وتنشر
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 426
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٢٦
هامش
( 1 ) الواقعة : 86 - 87 .