مات ، فحضره مولى له فلمّا دفن أتى علي بن الحسين عليهما السلام فقال له : من أين جئت قال : من جنازة ضمرة وضعت وجهي عليه حين سوّي عليه ، فسمعت صوته ، أعرفه واللّه كما كنت أعرفه وهو حيّ يقول : ويلك يا ضمرة خذلك اليوم كلّ خليل ، وصار في الجحيم مسكنك ، والمقيل ، فقال عليه السلام : هذا جزاء من يهزأ من حديث الرسول صلّى اللّه عليه وآله ( 1 ) . « وقد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ » قال ابن أبي الحديد : ليس معنى « ارتسخت » ثبتت كما زعم الراوندي لأنّ الأسماع لم تثبت وإنّما تثبت الهوامّ فيها ، بل الصحيح انهّ من رسخ الغدير إذا نشّ ماؤه ونضب ، ويقال : ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته ) ( 2 ) . قلت : لابدّ أنّ الراوندي ذكر معنى مجرّد ارتسخ لأن معنى الباب معلوم ، وحينئذ فيعلم انّ المراد تثبّتت أسماعهم بالهوامّ ولا يرد عليه شيء والأصل في استعماليه أيضا الثبوت هذا ويحتمل أن يكون « ارتسخت » مصحّف ( اتّسخت ) من الوسخ بمناسبة قوله بعد « واكتحلت أبصارهم بالتراب » وتكون ( الرّاء ) حدثت من كسرة الهمزة والهوام : جمع الهامة : المخوف من الأحناش . « فأستكّت » أي : صمّت قال النابغة : ( وتلك التي تستكّ منه المسامع ) وقال عبيد بن الأبرس : ( دعا معاشر فاستكّت مسامعهم ) ( 3 ) « واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت » في ( العيون ) : ( مرّ داود الطائي بامرأة تبكي عند قبر ، وتقول : ( يا أخاه ليت شعري بأيّ خدّيك تبدّي ، البلى وأيّ عينيك اذن سالت ) ، فصعق داود بمكانه وتعبّد ( 4 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 246
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٤٦
هامش
( 1 ) الكافي 3 : 234 ح 4 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 162 .
( 3 ) لسان العرب 6 : 309 .
( 4 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 2 : 302 .