لا يحتسب ، وقد فارقكم مصقلة بن هبيرة فآثر الدنيا على الآخرة ، وفارقكم بسر ابن أرطأة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء مفتضح البطن من المال ، وفارقكم زيد ابن عديّ بن حاتم فأصبح ليسأل الرجعة ، وأيم اللّه لودّت رجال مع معاوية أنّهم معي فباعوا الدنيا بالآخرة ، ولودّت رجال معي أنّهم مع معاوية فباعوا الآخرة بالدنيا ( 1 ) . وما فيه من فراق بسر عنه كمصقلة وزيد غريب ، فلم يذكر أحد أنه كان معه عليه السّلام أولا . وقال أيضا - بعد ذكر بيعته عليه السّلام - وذكروا أن البيعة له عليه السّلام لما تمّت بالمدينة خرج إلى المسجد فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ووعد الناس خيرا ثم قال : لا يستغني الرجل وان كان ذا مال وولد عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم ، هم أعظم الناس حيطة من ورائه وألمّهم لشعثه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور ، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنهّ يقبض عنهم يدا واحدة وتقبض عنه أيد كثيرة ، ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه اللّه تعالى يخلف اللّه ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته . واعلموا أنّ لسان صدق يجعله اللّه للمرء في الناس ، خير له من المال ، فلا يزدادنّ أحدكم كبرياء ولا عظمة في نفسه ، ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه . واعلموا أنّ الدنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت . ألا وإنّ المضمار اليوم والسبق غدا ، ألا وإنّ السبق الجنّة والغاية النّار ، ألا إنّ الأمل يسهي القلب ويكذب الوعد ويأتي بغفلة ويورث حسرة فهو غرور وصاحبه في عناء ،
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 56
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٦
هامش
( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 114 .