قول المصنف : « وقال عليه السّلام لعمار بن ياسر وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاما » قد عرفت من الروايتين أنّ مراجعة عمّار للمغيرة كلاما إنّما كانت في دعوة عمّار للمغيرة إلى بيعة أمير المؤمنين عليه السّلام ومساعدته على أعدائه ، وإنّ المغيرة ما قبل ذلك ، وقال لعمّار : مثلك في نصرتك له كمن فر من الضحاء فوقع في الرمضاء ، بمعنى أنّك فررت من ضغطة أيّام عثمان فتقع بمساعدته عليه السّلام في ضغطات معاوية التي هي أكثر . قوله عليه السّلام : « دعه يا عمّار فإنهّ لم يأخذ من الدين إلّا ما قاربه من الدّنيا » هكذا في ( المصرية ) ( 1 ) ولكن في ( ابن أبي الحديد وابن ميثم ) ( 2 ) : ( إلّا ما قاربته الدّنيا ) وحينئذ فالمراد لم يأخذ من الدّين إلّا ما قاربته الدّنيا إليه ، وأما دين لم تقاربه الدّنيا إليه ، فلا يكترث المغيرة به . ويمكن أن يكون ( قاربته ) فيهما مصحف ( قاربه ) ففي ( الخطيّة ) : « قاربه الدنيا » . وصدق عليه السّلام حتى أنّ أصل إسلام المغيرة إنّما كان كذلك . ففي ( الأغاني ) - ونقله ابن أبي الحديد أيضا - : أنّ المغيرة كان يحدّث حديث إسلامه قال : خرجت مع قوم من بني مالك - ونحن على دين الجاهلية - إلى المقوقس ملك مصر فدخلنا إلى الإسكندرية وأهدينا للملك هدايا كانت معنا - وكنت أهون أصحابي على الملك - فقبض هدايا القوم وأمر لهم بجوائز ، وفضّل بعضهم على بعض وقصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له . وخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون ، ولم يعرض عليّ أحد منهم مواساة ، فلمّا خرجوا حملوا معهم خمرا فكانوا يشربون منها فأشرب معهم ، ونفسي تأبى أن تدعني معهم وقلت : ينصرفون إلى الطائف ويخبرون قومي بازدراء الملك إيّاي ، فأجمعت على قتلهم ، فقلت إنّي أجد صداعا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 593
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٩٣
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 3 : 250 .
( 2 ) في شرح ابن أبي الحديد 20 : 8 وشرح ابن ميثم 5 : 440 « إلّا ما قاربه من الدنيا » أيضا .